هل يمكن لأمة من الأمم أن تبدأ مشروع نهضتها أو تواصل مسيرتها الحضارية في عصر المعرفة، دون أن تعرف نفسها، أو إذا سمحت لنفسها أن تفقد تواصلها بذاكرتها التاريخية والوطنية، أو.. أن تقطع صلاتها بمنابعها الروحية والثقافية والفكرية والعلمية، أو.. أن تجهل أو تتجاهل قيمة أبنائها وأعلامها ورموزها الحضارية والعلمية؟!

الواقع أنها بهذا السلوك القاصر الناتج من قصور النظر التاريخي وقصر النظر المستقبلي، إنما تفقد محركاتها الدافعة للنهضة، وتطفئ مصابيحها المضيئة، فتفقد قدرتها على رؤية معالم طريقها إلى التقدم، ويبعد عنها الوصول إلى الهدف بعد أن ضاع منها الطريق.

وليس هناك ما هو أسوأ من فقدان الأمة لذاكرتها تجاه تاريخها ورموزها ومصادر قيمتها، سوى أن يبقى هذا الرصيد الحضاري الباعث على النهضة، باهتاً في مجامعنا وزاهياً في متاحف التاريخ الأجنبية، وأن تظل هذه الرموز وهذه القيم غائبة عن ثقافة أجيالنا الجديدة، وحاضرة في ذاكرة غيرنا من الأمم!

ولا أسوأ من تجاهل قيمة ما في تراثنا من كنوز، أو تجاهل إحياء رصيد الأساتذة الراحلين من العلماء والمفكرين، سوى الجهل بقيمة ما نملك أو بما قدموه من إسهام علمي وفكري، ليس فقط لنهضة أوطانهم وأمتهم، بل أيضاً لمجمل الحضارة الإنسانية.

لكن الأسوأ من نسيان تكريم العلماء والمفكرين الأموات بعد رحيلهم، هو تعمد إهانة العلماء والمفكرين الأحياء في حياتهم!

وعلى الرغم مما يقال عن أننا كعرب "قليلاً ما نقرأ مع أننا جزء من أمة اقرأ"، وأننا تعودنا على الاحتفاء والتكريم للمبدعين الكبار بعد رحيلهم فقط.. حتى تردد بين المثقفين القول المأثور لأبي الأسود الدؤلي:

"إذا أردت أن تعظّم أو تكرّم فمت".. فإن المفارقة المؤلمة، هي أن العديد من المبدعين الراحلين اكتشفوا بعد أن ماتوا بقرون، أن أبا الأسود ربما أخطأ في مقولته، وذلك بعد أن وصل بنا الحال منذ سنوات إلى حد لم نعد نحفل فيه لا بالعلماء والمفكرين الأحياء ولا بالأموات.. إلا قليلاً!

والسبب يكمن إما في التجاهل أو في تغير نسق القيم التي تطبع العصر المادي بطابعها غير الإنساني، الذي تتوارى فيه القيم الروحية والأخلاقية والثقافية، وتعلو القيم المادية والاقتصادية والبراغماتية.. وفي تضاؤل تأثير المبادئ وتزايد تأثير المصالح وتهاوي المعاني، وشيوع التبعية الثقافية وزيغ البصر نحو الآخر، وفقدان الثقة بالذات العربية.

وبلادة الحس نحو الذات الإسلامية، حتى صرنا في مؤخرة قطار الحضارة المعاصرة، بعد أن كنا في "المقدمة". وبمناسبة المقدمة التي لم تعد تشغلنا ولا أصبحت هدفاً لحركتنا كما كان العرب والمسلمون في العصور الوسطى، والمؤخرة التي أصبحت هي موقع جمودنا.

فلقد وجدت طريقاً إلى النهضة في "المقدمة" التي كتبها العلامة العربي المسلم عبدالرحمن ابن خلدون، في قلعة بني سلامة في المغرب العربي في العصور الوسطى، وبالتحديد في القرن الرابع عشر، حيث كانت تسود عصور الظلام في الغرب الأوروبي المسيحي، بينما كانت هي عصور النهضة في الشرق الإسلامي.

وربما هذا هو ما يشعرني بالرثاء أحياناً لحال بعض المثقفين المستغربين، الذين لا يعرفون عن أنفسهم في الشرق بقدر ما يعرفون عن مصادرهم في الغرب، عندما يشيرون إلى "العصور الوسطى" باعتبارها عصور تخلف.. فالبعض منهم ما زالوا لا يعرفون اليوم في عصر المعرفة، أنهم جغرافياً يعيشون في الشرق وليسوا في الغرب، وأن العصور الوسطى تاريخياً كانت عصور الظلام في الغرب، وليس في الشرق!

وللمفارقة، فإن الذي ذكرني بكتاب "مقدمة ابن خلدون" اتصالاً بما طرحته من تساؤل حول مإذا كنا نعرف عن أنفسنا وعن تاريخنا بقدر ما يعرفه عنا غيرنا، هو الاحتفال الرسمي المهيب عام 2008 في إسبانيا إحدى دول الغرب الأوروبى المتحضرة، سابقة به دول المغرب والمشرق العربي، بمناسبة مرور ستة قرون على وفاته في مصر!

وهي لفتة حضارية راقية، تتعالى على ما يسقط فيه بعض الدوائر الغربية السياسية والثقافية غير المتحضرة، أو الإعلامية المتصهينة المدفوعة بالغرض والجهل والمرض في الإساءة إلى نبي الإسلام العربي، الذي انطلقت رسالته السماوية لتنشر علمها ونورها وقيمها الإنسانية والحضارية الراقية في العالمين. وهنا يبقى السؤال؛ هل من المعقول أن يعرف العالم عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا؟ وهل من المقبول أن يقدر الآخر قيمتنا بأكثر مما نقدر نحن قيمة أنفسنا؟!

وأقول في النهاية، ليس هناك ما هو أهم للأمم الحية، وهي في قلب أزماتها وفي خضم معاركها في الطريق إلى الاستقلال والنهضة، من أن تعرف أكثر وأن تعمل أكثر وأكثر، ومن استعادة ذاكرتها التاريخية.. ولا أعظم من العودة لأرصدتها الثقافية والعلمية، ولا أكرم من حفظ قيمة رموزها الإنسانية الروحية والقومية والوطنية، في سعيها لاستعادة مكانتها الحضارية بين الأمم.

وبقدر ما نملك من علم بحقيقة رصيدنا الحضاري العربي الإسلامي، ومن ثقافة غير مريضة بعيدة عن العنصرية والتعصب والتطرف، تترجم قيمنا وتعبر عن روحنا، بقدر ما يمكن أن نعرف أنفسنا لنستعيد ذاتنا ونحقق وحدتنا، لنحمي إرادتنا في صنع النهضة على أرضنا ورفع مستوى حياة شعبنا، وإلى الإسهام في صياغة عالمنا المعاصر، مثلما كان إسهامنا الحضاري في العصور الماضية.

حينها، نكون على الأقل قد عرفنا أنفسنا تماماً كما يعرفنا العالم، فمن الغريب أن يعرف العالم عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا! ولا أقول، حينها نكون عرفنا من رصيد حضاراتنا ومن نبع ديننا، ما يجعلنا نعرف عن العالم أكثر مما يعرف عن نفسه.