بدعوة من "هيئة التنسيق النقابية"، وللمرة الأولى في تاريخ الإدارة اللبنانية، نزل موظفو القطاع العام الى الشارع في تظاهرة غير مألوفة شارك فيها المعلمون، احتجاجا على عدم إقرار سلسلة الرتب والرواتب.
عمت الإضرابات مختلف الإدارات والمؤسسات الرسمية في لبنان، وتوقف الموظفون عن العمل في إضراب تحذيري لمدة ساعتين في 24 يوليو/ تموز 2012، بالتزامن مع استمرار مقاطعة أعمال تصحيح المسابقات لطلاب الشهادات الرسمية.
مقابل هذا التحرك النقابي، ارتفعت حدة التهديدات الحكومية ضد المعلمين والموظفين، مع تذكير وزير العمل بالمادة 15 من قانون الموظفين، التي تمنع على الموظف الإضراب والاعتصام والتمنع المتعمد عن أداء الخدمة العامة.
وتوالت تصريحات المسؤولين تحذر من إقرار مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام، لأنه يرهق خزانة الدولة ويرفع حجم الدين العام إلى أكثر من ستين مليار دولار أميركي. وبعد أن تجاهل مجلس الوزراء مطالبهم، نفذ موظفو القطاع العام في 25 يوليو تظاهرة حاشدة وإضرابا عاما شمل جميع إدارات الدولة اللبنانية، للمطالبة بإقرار سلسلة الرتب والرواتب.
اعتبر رئيس الجمهورية أن تحرك الإداريين سابقة خطيرة في تاريخ لبنان، لأن تحرك القطاع العام يشل جميع مؤسسات الدولة. فرد المضربون بتحميل رئيس الوزارة شخصيا ومجلس الوزراء مجتمعا، مسؤولية شل إدارات الدولة، لأن الوضع المعيشي لموظفي القطاع العام لم يعد يحتمل، ولأن الحكومة تماطل ولا تفي بوعودها. وذلك يطرح ملاحظات أساسية لفهم الأسباب العميقة لهذا التحرك الجماعي الشامل لموظفي القطاع العام.
1- رفع المضربون لافتات مطلبية ذات دلالة، أبرزها: "طريق إصلاح الإدارة العامة يبدأ بإقرار سلسلة الرتب والرواتب"، و"الظلم والإجحاف بحق الموظف جريمة لا تغتفر"، و"لا لحرمان الموظف من حقه الطبيعي بالحياة الكريمة"، و"إقرار السلسلة تعزيز للقطاع العام وحق للموظف"، و"قطاع عام واحد.. وسلسلة واحدة»، و"الموظفون والمعلمون متضامنون من أجل استرجاع حقوقهم المشروعة"، وغيرها.
2- اتخذت الحكومة في اجتماعها المحدد يوم الإضراب العام، قرارات عدة لكنها تجاهلت مطالب المعلمين والموظفين، تحت ذريعة الحفاظ على هيبة الدولة، وأشهرت سلاح التأديب ضد الموظفين الذين يخالفون الدستور، وقانون الوظيفة الذي يحظر على موظفي الدولة الإضراب والتظاهر.
وأعلن بعض المسؤولين أن الحكومة الحالية غير مسؤولة عن ظلم مزمن ألحق ضررا بالغا بموظفي الدولة، منذ أربعة عشر عاما لم يتم فيها تصحيح سلسلة الرواتب والأجور في القطاع العام.
وطلبت الحكومة المزيد من الوقت لكي تبحث عن مصادر تمويل للزيادة المرتقبة، علما بأن الموضوع أشبع درسا عبر لجنة ضمت أحد عشر وزيرا من جميع الاتجاهات السياسية، وأقرت أحقية مطالب المعلمين والموظفين، وأوصت بإقرار السلسلة الجديدة.
3- بدا واضحا عقم الخطاب الديماغوجي الرسمي، الذي لجأ إليه كبار المسؤولين تحت ذريعة حماية هيبة الدولة، وأنها لن تلبي أي مطلب تحت ضغط الإضراب، ولن تخضع لضغط الشارع. وهو كلام عار عن الصحة، لأن بعض كبار مسؤولي الدولة خضعوا لضغط الشارع في طرابلس، فأفرجوا عن أحد المتهمين الأصوليين.
وأن الشيخ أحمد الأسير ما زال يقطع طريق صيدا منذ عدة أسابيع، وأضر بمصلحة الصيداويين الذين رفعوا الصوت عاليا وطالبوا بأن تفرض الدولة هيبتها بالقوة وتنقذ مصالح آلاف العائلات المتضررة.
4- بعد أن أقر مجلس الوزراء بشرعية المطالب، فوجئ اللبنانيون بخطاب سلطوي بائس، مفاده أن هيئة التنسيق النقابية تأخذ البلد رهينة مطالب معيشية، وبالتالي فالحكومة لن تلبي المطالب تحت الضغط والتهديد. وغادر رئيس الوزراء إلى لندن لحضور الألعاب الأولمبية، مع الإعلان بأن الدولة وهيبتها على المحك، وأنه غير مقبول تهديد الاستقرار، ولن تخضع الحكومة لضغط الشارع.
منطق غريب فعلا، فهل أن هيبة الدولة رهن بتجاهل مستقبل مائة ألف طالب ومائة وثمانين ألف عائلة؟ وهل أن كسر إرادة القوى النقابية الموحدة للمرة الأولى في تاريخ لبنان لإقرار سلسلة الرتب والرواتب وإنصاف جميع الموظفين والمعلمين، بعد أربعة عشر عاما من الإجحاف المتمادي، يعتبر انتصارا لهيبة الدولة المفقودة بصورة شبه تامة على كثير من الأراضي اللبنانية؟
وهل تحقيق مطالب الفئات الشعبية يهدد الاستقرار الاجتماعي والمالي في لبنان ويرهق الخزينة بأعباء إضافية؟ أم أن الصفقات المالية المشبوهة بمئات مليارات الدولارات، والفساد الإداري والمالي والسياسي المستشري، والنفقات الكبيرة غير المجدية، والمضاربات العقارية الكبيرة، هي التي تهدد أمن واستقرار لبنان في هذه الظروف الداخلية والإقليمية البالغة الصعوبة؟
لقد فقدت الحكومة اللبنانية مصداقيتها ثم هيبتها عندما كانت تعد ولا تفي بوعودها، وبات عليها الاستجابة الفورية لمطالب الموظفين والمعلمين المحقة، بعد أن أشبعت درسا في اللجان المختصة، لكي تستعيد هيبتها واحترامها أمام اللبنانيين.
فالتعبير عن المطالب حق مشروع يضمنه الدستور اللبناني والقوانين مرعية الإجراء. وليس من مصلحة الموظفين والمعلمين المضربين، ضرب هيبة الدولة لأنهم يشكلون الركائز الأساسية لبنيانها الإداري والتربوي.
لقد أنصفت الحكومة القضاة وأساتذة الجامعات عبر سلاسل جديدة لرواتب كل منهما، وعليها أن تنصف القطاعات الأخرى بعد أن بات الفارق بين سلاسل الرتب والرواتب يهدد بخلل اجتماعي كبير، يطال مصير مئات آلاف العاملين في القطاع العام مع عائلاتهم، في ظروف تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان والعالم. فموظفو القطاع العام محقون في مطلبهم بتعديل سلسلة الرتب والرواتب، لأن أجورهم تآكلت تحت وطأة التضخم وارتفاع الأسعار.
وهم ليسوا مسؤولين عن الفساد المالي، والوضع المزري للخزينة، وزيادة حجم الدين العام. ومن أولى واجبات الحكومة إقرار السلسلة الجديدة، وتأمين الإيرادات اللازمة لها، وتحقيق العدالة بين الرتب والرواتب في القطاعين العام والخاص. عندئذ تحافظ الدولة على وجودها أولا كدولة عادلة تضمن سير العمل في القطاع العام، وتسترد هيبتها المفقودة في الشارع.
فالغياب المتمادي لدور الحكومة في معالجة أوضاع الموظفين والمعلمين والعمال ومختلف ذوي الدخل المحدود من اللبنانيين، أفقدها هيبتها عبر مناكفات سياسية، وضعف في الإنتاجية، وانحياز مفرط إلى جانب كبار المتمولين وأصحاب الصفقات المشبوهة.