تؤكد زيارات ميت رومني الخارجية، على أن السياسة الأميركية كلها محلية، وعلى أن تولي رومني الرئاسة سيعني استكمال سياسة بوش الابن الخارجية، بعد انقطاع دام سنوات أربعاً هي فترة حكم أوباما.
فالمرشح الجمهوري لمنصب الرئاسة الأميركية ميت رومني، اختار ثلاث دول فقط ليزورها خلال رحلته الوحيدة للخارج هذا العام كمرشح للرئاسة، هي بريطانيا وبولندا وإسرائيل. واختيار كل واحدة من الدول الثلاث له أسبابه ودلالاته.
فزيارة رومني لبريطانيا لها دلالاتها في سياق استراتيجية حملته الانتخابية، التي تقدم خطابا شفريا يسعى لاجتذاب الأميركيين أصحاب البشرة البيضاء، الذين لم يرتاحوا منذ البداية لوصول رئيس من أصول إفريقية للبيت الأبيض.
وتعمَد تلك الاستراتيجية إلى التلميح بأن الرئيس الذي نشأ في ولاية هاواي، ذات الأغلبية الآسيوية وينتمي لأب كيني، غريب عن الثقافة الأميركية أو بالأحرى "أجنبي"، وأحيانا تتحول تلك اللغة الشفرية إلى خطاب صريح ينضح بالعنصرية. فقد صرح جون سنونو مستشار حملة رومني وحاكم نيوهامشر الأسبق، ذو الأصول العربية بالمناسبة، بأنه يتمنى لو أن الرئيس "تعلم كيف يكون أميركياً".
وزيارة بريطانيا تأتي في هذا السياق، الذي يؤكد على الجذور التاريخية للبيض في أميركا، وهو ما عبر عنه أحد مستشاري رومني في عبارة فجة، حين قال إن العلاقة الخاصة بين بريطانيا وأميركا مصدرها الميراث الأنجلوساكسوني "الذي لا يفهمه أوباما"، إشارة إلى أصول أوباما غير البيضاء.
والحقيقة أن اللعب على النعرة العنصرية ليس جديدا في استراتيجيات الحزب الجمهوري، فالحزب منذ انتخاب نيكسون عام 1968، عمد للحصول على المناصب الانتخابية عبر ما صار يعرف باسم "استراتيجية الجنوب".
وهي استراتيجية برزت في أوج حركة الحقوق المدنية، وهدفت لاجتذاب البيض المحافظين الذين يقطنون ولايات الجنوب، عبر إقناعهم بأن الحزب الديمقراطي قد ذهب بعيداً نحو دعم الأقليات على حسابهم. وقد استخدمت تلك الاستراتيجية دوما لغة شفرية، تنطوي على مفردات ومعان يلتقطها البيض المحافظون مباشرة، دون أن يصرح الجمهوريون علناً بذلك المعنى العنصري.
لكن رومني اختار أيضا أن يزور بريطانيا عشية افتتاح الدورة الأولمبية، ليحضر الاحتفال ويربطه بتنظيمه للدورة الأولمبية الناجحة في مدينة سولت ليك عام 2002، في محاولة لرسم صورة ذهنية له تؤكد على كفاءته ومهاراته الإدارية والتنظيمية.
لكن رومني أحرج رئيس الوزراء البريطاني أثناء الزيارة، حين لم يستبعد إلغاء الدورة بسبب التخوفات الأمنية، فكانت النتيجة أن اضطر كاميرون إلى عقد مقارنة بين دورتي لندن وسولت ليك، على نحو يفسد استراتيجية حملة رومني.
فكاميرون قال إن دورة لندن تنعقد في واحدة من أكثر مدن العالم ازدحاما وحيوية، ثم علق قائلاً إنه من الأسهل طبعا أن تعقد دورة أولمبية في مكان منعزل، وهو ما فسره الإعلاميون بأنه إشارة إلى ولاية يوتا الأميركية محدودة السكان، التي انعقدت دورة 2002 في عاصمتها سولت ليك.
أما زيارة بولندا، فقد جاءت ضمن خطة حملة رومني لإعلان فشل أوباما في السياسة الخارجية، واتهامه أوباما بتدمير تحالفات أميركا الدولية. فرومني الذي صرح بأن روسيا هي "الخصم الأول لأميركا"، اعتبر أن أوباما تخلى عن الحلفاء البولنديين والتشيك لإرضاء الروس، حين تراجع عن تنفيذ برنامج الدفاع الصاروخي الذي تبناه بوش الابن.
والسعي لاتهام أوباما بالتخلي عن الحلفاء، هو واحد من سببين لزيارة رومني لإسرائيل. أما السبب الثاني فهو حاجة رومني للحصول على أصوات وتمويل اليهود الأميركيين، مزدوجي الجنسية، الذين يعيشون في إسرائيل ويحملون الجنسية الإسرائيلية.
فلأن أغلبية اليهود الأميركيين يعطون أصواتهم تقليديا للحزب الديمقراطي، بما في ذلك آخر انتخابات رئاسية، حيث أعطى 75% منهم أصواتهم لأوباما في 2008، فإن رومني يسعى لاجتذاب اليمين اليهودي، والكثيرون من هؤلاء ممن يعيشون في إسرائيل، يسكنون المستوطنات ولهم موقف مناهض لإقامة دولة فلسطينية أصلًا.
وموقف اليمين اليهودي الأميركي من أوباما أقرب لموقف الإسرائيليين منه، لا من موقف يهود أميركا الليبراليين. لذلك تعول حملة رومني كثيرا على زيارة إسرائيل، بعد مغازلة مستمرة لذلك القطاع من الناخبين الأميركيين، بدأت باتهام أوباما بأنه "ألقى بإسرائيل تحت الحافلة"، حين أعلن أن التسوية الفلسطينية الإسرائيلية لا بد أن تلتزم بحدود 1967.
وقد أضاف رومني لتلك المزايدات، من خلال الخطاب الذي ألقاه أمام المحاربين القدماء قبل يومين من سفره، واتهم فيه خصمه بأنه تخلى عن إسرائيل "ومولع بإعطاء دروس" لسياسييها.
ومثل ذلك الخطاب الموجه لليمين اليهودي الأميركي، في الولايات المتحدة وإسرائيل على السواء، يتجاهل تماماً ما قاله إيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي نفسه، الذي صرح بأن دعم أوباما القوي لأمن إسرائيل "لا يضاهيه دعم أية إدارة سابقة".
والحقيقة أن موقف رومني من إسرائيل، بل ورؤيته للسياسة الخارجية عموما، نسخة من سياسة بوش الابن الخارجية. فخطاب رومني الأخير عن السياسة الخارجية، لم يقدم سوى رؤية المحافظين الجدد التي هيمنت في عهد بوش، وهو استخدم مفردات منقولة حرفياً من قاموس ذلك التيار.
فهو تحدث مثلاً عن حتمية "القرن الأميركي"، وعن أهمية التفوق الأميركي العسكري والاقتصادي والتكنولوجي، وضرورة استعداد أميركا لاستخدام قوتها العسكرية في كل مكان. ورومني الذي أحاط نفسه بالمحافظين الجدد كمستشارين، يتبنى مواقفهم الداعمة لإسرائيل - الليكودية تحديداً - بلا قيد أو شرط، والتي لا تقبل إلا بـ"تسوية إسرائيلية" للصراع العربي الإسرائيلي.
باختصار، فإن زيارة رومني الخارجية في أوج الحملة الانتخابية ذات أسباب محلية، وفوزه في الانتخابات القادمة معناه ليس فقط عودة سياسات بوش الابن الخارجية، وإنما عودة رموز المحافظين الجدد لتولي المناصب الحساسة في إدارة رومني، مثلما كان الحال في عهد بوش.