إنها ليست فتوى، ولا هي اعتراض على فتوى، وإنما هي وجهة نظر قابلة للصواب مثلما هي قابلة للخطأ، فللفتوى أصحابها وعلماؤها الذين نحترمهم ونجلهم، ونؤكد أن اختلافهم رحمة، لأن الدين يسع الجميع، والأمر يسع الآراء كلها، طالما أنه ليس هناك نص قرآني صريح ولا حديث نبوي صحيح، وطالما أن ما يصدر من حكم وحكم مخالف، هو من باب الاجتهاد الذي يُعبَّر عنه بـ"القياس" أو "العقل" أو "الرأي".
منذ أن انتشر خبر مسلسل الفاروق "عمر" ونحن نتابع عبر وسائل الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي، ما يدور من نقاش حول المسلسل وحكم تمثيل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والعشرة المبشرين بالجنة منهم على وجه الخصوص.
وهو نقاش كان يمكن أن يكون إيجابيا خالصا، لولا أنه نحى منحى عصبيا، خرج به بعض الأحيان عن أصول الاختلاف، خاصة على شاشات بعض الفضائيات ذات التوجهات الدينية المتشددة.
وقد استخدمت هذه القنوات أسلوب الترهيب، حتى أصبح بعض المشاهدين يشعرون بالرعب وهم يتنقلون بين القنوات الفضائية في شهر رمضان المبارك، خشية أن تقع أعينهم صدفة على مشهد من مشاهد المسلسل، فيلحق بهم الإثم، أو يخرجوا من الملة!
أساس المسألة، كما هو واضح، ينحصر في الاختلاف على جواز تمثيل بعض الصحابة، هم العشرة المبشرون بالجنة، من عدمه. وهو خلاف قائم على القياس والعقل والرأي، لا النص القرآني الصريح ولا الحديث النبوي الصحيح، لأن التمثيل فن حديث لم يكن موجودا في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، ولا في عصر التابعين الأقرب صلة بعصر الصحابة.
وطالما أنه خلاف على حكم من هذا النوع، فهو خلاف غير محسوم، لأن الحكم فيه قائم على الاجتهاد، والاجتهاد قائم على جهد العلماء ومقدار علمهم وسعة فكرهم، ومدى تقبلهم لمتغيرات الحياة ومستجداتها.
الذين أجازوا تمثيل شخصيات هؤلاء الصحابة، علماء أجلاء لهم مكانتهم ولهم اجتهادهم في مسائل كثيرة. والذين لم يجيزوا تمثيل شخصيات هؤلاء الصحابة، أيضا علماء أجلاء لهم مكانتهم ولهم اجتهادهم في مسائل كثيرة.
ولهؤلاء وأولئك أدلتهم العقلية وأسانيدهم التي يقتنع بها فريق من الناس، ولا يقتنع بها فريق آخر، حيث يكون الحكم الفصل هنا للقلب والنفس، مصداقا للحديث النبوي الشريف «استفت قلبك واستفت نفسك. البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك».
هذا هو المنطق الذي يجب أن نُخضع له هذه القضية، تاركين لمن اقتنع برأي من آراء العلماء، أن يتخذ القرار الذي تطمئن إليه نفسه.
لقد ظل التلفزيون سنوات طويلة متهما بإنتاج الأعمال الهابطة، والتركيز على سِيَر الراقصات وقصص الحب والغرام، وتسطيح عقول المشاهدين.
وعندما جاءت اللحظة المناسبة كي يدفع التلفزيون عن نفسه هذه التهمة، ويتجه إلى إنتاج أعمال ضخمة تبرز سير القادة العظام من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، ليقدم هذه النماذج لهذا الجيل الذي نتهمه بهجر الكتاب والانصراف عن تاريخ أمته، من خلال أعمال درامية عالية الجودة، وتحت إشراف لجان مختصة من العلماء المعروفين الثقات، ثارت هذه الضجة، وانبرى البعض مهددا بحرق مقار ومباني القنوات الفضائية التي تنتج هذه الأعمال والتي تبثها، والاعتداء على العاملين فيها، ما لم تستجب هذه القنوات لطلبهم وتوقف بثها!
أذكر أننا كنا عام 1985 في بعثة الحج الرسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وقد ذهبنا مع رئيس البعثة لزيارة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله، مفتي عام المملكة العربية السعودية وقتها، واصطحبنا معنا المصورين المرافقين للبعثة لتصوير المقابلة، لكننا فوجئنا عند وصولنا إلى مقر سماحة الشيخ بعدم السماح لنا بالتصوير، بناء على تعليمات سماحته الذي كان له رأي في ذلك، حيث يقول في إحدى فتاواه عن التصوير بالفيديو أو السينما: "أنا لم أفعل ذلك إلا في أوقات تعم البلوى بها في بعض المجالس العامة التي يكون فيها ندوات أو محاضرات عامة، فقد تصور وأنا من جملة الحاضرين...
أما أن أصور وأنا وحدي في حديثي في التلفاز أو سفري، إلى الآن لم أقدم عليه، لأن عندي تحرجا من ذلك، وعندي توقفا في ذلك".
حدث هذا قبل أكثر من ربع قرن، وها نحن اليوم نرى القنوات الفضائية المخصصة للأحاديث والفتاوى تملأ الأرض والفضاء، ونرى المشايخ من مختلف الاتجاهات ينتشرون في هذه الفضائيات وغيرها.
إن الزمن يتغير، وأدواته تتطور، وما لم نواكب هذا التغير والتطور فسوف نبقى في أماكننا متخلفين عن الركب، دون المساس، بطبيعة الحال، بأصول الدين وثوابته المتفق عليها.
هذا الجدل الدائر حول مسلسل "عمر"، في اعتقادنا جدل إيجابي، حتى لو بدا عصبيا وحادا في بعض مراحله، وهو جدل سوف يفرز تيارا معتدلا بعد تجاوز مرحلة الصدمة التي سببها مسلسل "عمر"، رغم أنه سبق أن أنتِجت وعُرِضت أعمال درامية عن أبي عبيدة بن الجراح، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وخالد بن الوليد، وغيرهما من الصحابة، لم يعترض عليها أحد وقتها.
إن من يتابع التعليقات التي تكتب في مواقع التواصل الاجتماعي بعد عشرة أيام من بدء عرض المسلسل، يجد اختلافا عما كان يُكتَب قبل عرضه، وهذه هي سنة الحياة منذ أن خلق الله البشر وقسم بينهم العقول والأفئدة.