مع رحيل القوات الأميركية عن العراق في نهاية العام المنصرم، دخلت العملية السياسية في طور جديد أبرز سماته تأجيج الصراعات الداخلية، من أجل تصفية الحسابات بين الزعامات التي تأتلف شكليا في ما يعرف بحكومة الشراكة الوطنية.

ومنذ ذلك الحين تشتد الأزمة السياسية في العراق حدة وتزداد عمقا، وتتراجع فرص الحلول التوافقية لصالح فرص الحسم. ويزداد المشهد تعقيدا وضبابية، وتزداد معاناة الشعب ونقمته على صناع هذه الأزمات، الذين يصرون على تجاهل الحاجات الأساسية للمواطن.

محاور الصراع السياسي في العراق ليست ثابتة، فبعد أن كان محور الصراع بين علاوي والمالكي هو الأبرز على مدى السنوات الماضية منذ الانتخابات النيابية عام 2010، تراجعت أهميته مؤخراً ليصبح ذراعا ثانويا في محور صراع أكبر وأكثر خطورة على مستقبل العراق ووحدته.

محور الصراع بين البارزاني والمالكي أصبح هو الأكثر أهمية، ولا نقول محور الصراع بين التحالف الكردستاني والتحالف الوطني، فليس كل من في هذين التحالفين منخرطاً في هذا الصراع، فكل منهما منقسم على نفسه حول هذه القضية أو تلك، بدرجات مختلفة.

واجهات الصراع عديدة، منها اتهام المالكي بالانفراد بالحكم، وقانون النفط والغاز، والمادة 140 من الدستور، والأراضي المتنازع عليها، وتسليح الجيش العراقي، وتسليح قوات البيشمركة، وميزانية الإقليم، وتصدير الإقليم لنفطه إلى تركيا.

وغير ذلك الكثير. صقور هذا الصراع كثيرون في وسائل الإعلام، إلا أن أبرزهم الزعيمان البارزاني والمالكي نفسيهما، اللذان لم يعودا يخفيان حقيقة موقف كل منهما إزاء الآخر بمعسول الكلام ودبلوماسيته. أبرز سمات هذا الصراع هو تضخيم نقاط الخلاف، والتمسك بالمواقف المتزمتة إزاءها بما لا يسمح بالتنازل أو التساوم، وكأن الطرفين يدفعان بالأزمة نحو الانفجار.

ومما يزيد خطورة هذا الصراع، أن الطرفين قد وجدا نفسيهما يتمترسان خلف حواجز صنعتها تراكمات إرث ثقيل من الماضي، خلفته حقب من الصراعات الحزبية والمذهبية والعرقية والمناطقية، في أطر تحالفات مع أطراف إقليمية سبق أن سطرت عبر حروبها الطويلة تاريخا دمويا على أرض العراق.

الإجراءات التي تحرص بغداد على اتخاذها تعزز نفوذ الدولة المركزية وهيمنتها، القرارات التي تتخذ في أربيل تعمل عكس ذلك، فهي تجسد شخصية الإقليم وخصوصيته وميله للنأي عن المركز. التساؤل يدور حول ما إذا كان النظام الديمقراطي الاتحادي القائم، حسب تعريف الدستور، يسمح بهكذا تناقض. فالطرفان يستندان إلى مرجعية واحدة، وهي الدستور الذي يتسم بروحية غير مركزية تسمح بإنشاء الأقاليم وتعزيز سلطات الإدارات المحلية على حساب سلطات المركز.

ويتسم في الوقت نفسه بالتباسات كثيرة تسمح بتأويلات متباينة.بوادر الحسم في الصراع ابتدأت في لقاء أربيل ثم النجف ثم أربيل ثانية، للتخطيط من أجل حجب الثقة عن رئيس الوزراء وإقالته، وهو أخطر ما واجه رئيس الوزراء العراقي منذ تسلمه لمنصبه قبل ست سنوات. ومع أن ذلك يعتبر إجراء دستوريا في إطار النهج الديمقراطي، إلا أن حداثة التجربة بالممارسات الديمقراطية وعدم توافر النوايا الصادقة، قد أضفى على سياقات التحضير لهذا الإجراء أجواء معيبة وغير نقية.

في خضم هذه الصراعات، أصدر رئيس الوزراء العراقي جملة قرارات تتعلق بإعادة ضباط الجيش العراقي السابق الذين ينتمون لبعض المحافظات، ورغم أن هذه الخطوة كان من المفترض اتخاذها قبل سنوات في سياقات إعداد الأجواء المناسبة للمصالحة الوطنية، إلا أن مجيئها في هذه الظروف لا يقدم غير تفسير واحد لرئيس إقليم كردستان.

وهو أن رئيس الوزراء يبعث برسالة تهديد واضحة. ومما عزز الشكوك الكردية في نوايا بغداد، هو نشر قطعات الجيش العراقي في المناطق التي تعتبرها أربيل ذات بعد تعبوي يسمح لها بالتحرك الفوري حين صدور القرار السياسي. ومع أن التهديد بحجب الثقة قد تراجعت خطورته، بعد أن أبدى التيار الصدري بعض الإشارات عن تراجع في موقفه.

وبعد أن تراجعت حماسة علاوي لذلك عقب لقائه مع رئيس التحالف الوطني ونفيه لوجود أزمة سياسية في العراق (!) في حديثه للسومرية نيوز في الحادي والعشرين من يوليو الجاري، إلا أن الأزمة بين بغداد وأربيل ما زالت قائمة.

الخلافات حول المادة 140 من الدستور وحول الأراضي المتنازع عليها، ليست جديدة ولم تصل حدا ينذر بالتصادم على مدى السنوات المنصرمة منذ الاستفتاء على الدستور الذي شرعن هذه القضايا عام 2005، إلا أن جوهر الصراع الحالي يدور حول بدء الإقليم في تصدير النفط إلى تركيا، وعزمه على عقد اتفاقيات معها لتصدير النفط والغاز، بمعزل عن وزارة النفط العراقية.

وهو ما اعتبرته بغداد مساساً بالسيادة وخرقا للدستور وتحدياً لا يمكن السكوت عليه. لذلك أصبح هذا الموضوع محور الصراع الآني بين بغداد وأربيل، إلى الدرجة التي جعلت الحكومة العراقية تطلب من الرئيس الأمريكي التدخل والضغط على شركة أكسن موبيل، لتجميد عقودها النفطية مع الإقليم.

وقد رافق ذلك تصعيد في الحملة الإعلامية الموجهة ضد تركيا، لتعاونها مع إقليم كردستان متجاهلة حكومة المركز، إلى درجة أن نائب رئيس الوزراء العراقي لشؤون الطاقة، اعتبر أن تركيا تقوم باعتداء صارخ على الثروة النفطية العراقية.

إن تراجع مشروع حجب الثقة قد عزز موقف المالكي، إلا أنه لم يضعف موقف البارزاني، مع أنه أضعف من قدراته الهجومية، فمن المستبعد أن يكون لذلك تأثير على سياسة الإقليم النفطية، ما لم تتراجع شركة أكسون موبيل تحت الضغوط السياسية.

فالإقليم يرى أن التصرف في موارده الطبيعية حق له وفق الدستور، رغم أن الحكومة المركزية في بغداد ترى عكس ذلك، خاصة وأن العقود مع شركة أكسون موبيل قد شملت حقولا نفطية ليست داخل إقليم كردستان.. وهكذا فالصراع بين بغداد وأربيل مرشح للمزيد من التصعيد.