كانت الكلمات الأولى التي حدثتني بها زوجتي صبيحة كتابتي لهذا المقال، هي: "يؤسفني إبلاغك بأن لدي خبراً سيئاً لك اليوم". ولم تكن بحاجة إلى قول المزيد على ذلك، فقد عرفت في الحال، وبصورة غريزية، ما الذي يعنيه "الخبر السيئ".

لقد رحل أحد أصدقائي عن الدنيا، ولم أحتج إلى أن يقال لي من هو هذا الصديق.. فبعد معاناة طويلة مع المرض قدر لصديقي الكاتب محمد البساطي أن يتجنب المزيد من الألم في فراشه، ولن يتاح لي مستقبلاً ذلك السرور الذي أستمده من أحد ردوده اللاذعة على استفساراتي هاتفياً بين الحين والآخر عن حالته، وقد كان يعرف بالطبع أنني أعرف أنه يرقد على فراش الموت، ولكنه كان آخر شخص يمكن أن يرد على استفسار عن صحته بأي شيء في الدنيا، غير نكتة مرحة.

وقد أعطيت هذا المقال عنوان إحدى قصص البساطي القصيرة، وهي قصة أدرجتها في مجلد يحمل عنوان "كوب شاي أخير وقصص أخرى"، وفي المقدمة القصيرة التي كتبتها لهذا المجلد، قلت عنه إنه "يكتب قصصاً شديدة القدرة على استقطاب الناس".

لم يعد محمد البساطي معنا، ولكن أعماله ستظل تطالعها أجيال من القراء، وقد صدرت مجموعته القصصية الأولى عام 1968، وأدركت في ذلك الوقت للمرة الأولى العبقرية التي ستمنحها موهبته للقصة القصيرة، وقد كتبت في مقدمة تلك المجموعة الأولى التي ترجمتها إلى الإنجليزية، أقول: إن وقائع الحياة في هذه القصص عفوية تماماً، حيثما يكون للموت دور فيها.

كان محمد البساطي كاتباً لا يخشى معالجة الموت باعتباره جزءاً حتمياً من الحياة، وسوف تتواصل خواطري التي تدور حوله، وكذلك سيستمر حزني على فقدان صديق أقدره كثيراً، وأعتبر رحيله خسارة لمصر وللعالم العربي كله.

هكذا.. لأنه يتعين علينا أن نقنع بما تركه لنا، ويبدو أنه كان قد اكتفى بما قدمه، حيث إن المجلدات العديدة من القصص القصيرة، القصص التي ما كان يمكن إلا له وحده أن يؤلفها، والروايات الكثيرة التي تحمل بصمة أسلوبه الخاص في الكتابة، كانت ثمرة عمر مكرس للأدب.

لا بد أن البساطي كان واحداً من الكتاب العرب القلائل الذين ظلوا بلا تأثر، سواء بالكتاب العرب أو حتى بعمالقة في عالم الغرب الأدبي، وذلك على الرغم من أنني قد أدهشني مدى اتساع نطاق ما يقرأه، من خلال الترجمة لأفضل ما نقل إلى اللغة العربية من الأدب العالمي.

كيف تأتى لي أن أضيف اسم البساطي إلى القائمة القصيرة التي لدي من الكتاب الذين لا ينبغي لأعمالهم أبداً أن تمضي بلا قراءة؟ هل كانت هناك قصة بعينها من إبداعه حولتني إلى أحد المعجبين به؟ أم أنني خلصت تدريجياً إلى أنه يوجد هنا كاتب لا ينبغي تجاهله؟

لقد كانت هناك قصة بعينها أفصحت لي عن أنه ها هنا كاتب يقتضي الانتباه، وأتذكر أنني صادفت هذه القصة في مجلة أو أخرى، وعادة ما كنت أتجاهل قصة كهذه، حيث رأيت أنها ليست منشورة في إحدى الإصدارات الأدبية المعروفة، وليست بقلم كاتب أعرفه. وأتذكر أن القصة كانت بعنوان "حوار من الطابق الثالث"، وهي تستهل بمشهد لامرأة يحدق فيها رجل شرطة عن كثب، وهو يمتطي صهوة جواده.

وعلى مهل يتبين أن المرأة قد جاءت مع طفلها الصغير لزيارة شخص في بناية كبيرة، كان رجل الشرطة يقف أمامها، وهي تشعر بالقلق حيال وجوده، ولكنها توضح مترددة أنها قد جاءت لتزور زوجها الذي يقطن هذه البناية الكبيرة، التي نعرف أنها سجن يوشك على أن يهدم.

فجأة يطل وجه من إحدى النوافذ، ويعلو صوت بالنداء عليها، ويسألها صاحب الصوت عما إذا كانت قد قلمت أشجار النخيل، ثم يسألها عما إذا كانت قد أحضرت السجائر التي يريدها كما طلب منها، ويبدو أنها قد أحضرت له السجائر، ولكن على نحو ما، فإن علبتين منها وضعتا في غير موضعهما.

ويقول الرجل إنه ليس أمراً مهماً أن العلبتين قد اختفتا، ثم يخبرها بأنه يجري نقله إلى سجن آخر، وسوف يخبرها حين يعرف، أما الآن فيتعين عليها عدم الحضور إلى هذا المبنى، وهي تلقي نظرة أخيرة على نافذة السجن، ولكن الوجه لم يعد له وجود هناك.. ثم تمر برجل الشرطة وعيناه مغمضتين ويداه تمسكان بطرف السرج، فيما هي تشق طريقها على امتداد الممر الضيق المفضي إلى الطريق الرئيسي.. وهكذا تنتهي القصة.

وكما كتبت في المقدمة التي خصصتها لمجموعة البساطي، التي نشرتها تحت عنوان "كوب شاي أخير وقصص أخرى"، فإنه بينما كانت هناك دراما في قصصه، إلا أنه لا يتم إبرازها قط، فالخطر يحوم بشكل غير مرئي على وجه التقريب بين السطور.