قليلة هي الثورات التي واجهت ما واجهته ثورة يوليومن حروب لم تنقطع حتى الآن ونحن نحتفل بعيدها الستين في وقت من الأوقات كان عليها أن تواجه قوى الاستعمار القديم (فرنسا وبريطانيا) والاستعمار الجديد الذي يريد وراثة الإمبراطوريات القديمة ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية، والسوفييت الذين لم يرضوا يوماً عن أحلام الوحدة العربية، بالإضافة إلى العدوالأساسي على الحدود وأطماعه في بناء إسرائيل الكبرى، وثم مؤامرات الداخل في مصر وفي العالم العربي.

ورغم ذلك كله صمدت ثورة يوليو، وكتبت تاريخاً جديداً لمصر وللأمة العربية. وقادت سيرة الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية وبناء مصر الحديثة. أنجزت الكثير، وأخفقت في تحقيق الكثير. انتصرت وانهزمت، ولكنها كانت التعبير الحقيقي عن ضمير الوطن، والمشروع الحقيقي للنهضة والتقدم.

تحت قيادة عبد الناصر استطاعت ثورة يوليوأن تحقق الاستقلال الوطني، وأن تطرد الاحتلال البريطاني، وأن تستعيد قناة السويس، وأن تقيم العدالة الاجتماعية، وأن تفتح أبواب التعليم المجاني لكل المصريين، وأن تقيم السد العالي وآلاف المصانع وأن تقود حركات التحرير والاستقلال في العالم العربي وفي إفريقيا.

وكان لثورة يوليو(في هذه المرحلة) أخطاؤها الكبيرة، وأعداؤها الذين لم يتوقفوا عن التآمر عليها. ومن الأخطاء والتآمر كانت هزيمة يونيوالمروعة. لكن ما أنجزته يوليوكان أكبر من الهزيمة، فخرجت الملايين لتحمي ثورتها وعادت مصر لتقاتل حتى ثأرت من هزيمتها.

ثم كان الانقلاب على يوليومنذ عهد السادات، حيث تم ضرب كل أسس المشروع الوطني الذي قاده عبد الناصر، وضياع دور مصر ومكانتها بعد أن أصبح النظام كنزاً استراتيجيا لإسرائيل وتابعاً سلم كل أوراق اللعبة في يد أمريكا !!

مع سقوط مبارك، ومع انفتاح الأبواب أمام مستقبل آخر طلبته جماهير ثورة يناير وهي تهتف للعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية. كان طبيعياً أن ترتفع صور عبد الناصر في ميادين التحرير، وأن يكون حاضراً مع الملايين وهي تهتف " إرفع رأسك فوق " كما هتفت معه قبل خمسين عاما !

ومع ارتباط ثورة يناير بثورات الربيع العربي، وانفجار شلال الأمل بين الشعوب العربية كلها بعودة مصر التي افتقدوها كثيراً،كان طبيعياً أن يعود الحديث هنا إلى مصر يوليوكما كانت قبل الانقلاب المشئوم بعد رحيل عبد الناصر !

وأظن أنه في هذه اللحظة تحددت الكثير من المواقف.. فينما كانت الملايين في مصر وفي الوطن العربي تنتظر مشروعاً وطنياً وقومياً جديداً يستأنف ما بدأته ثورة يوليو( قبل الانقلاب عليها )ويصحح أخطاءها، خاصة في قضية الديموقراطية.. كان البعض ( في الداخل ) ينطلق من أن هذه هوالخطر الحقيقي الذي يهدده. وكان البعض ( في الخارج) يدرك أن عودة مصر لدورها العربي ومكانتها الدولية واستقلال إرادتها هوالتهديد الحقيقي لمصالح دولية وإقليمية..وكان من الطبيعي أن تجمع المصالح مرة أخرى بين الطرفين ( في الداخل والخارج) في مواجهة الخطر وتوحيد الجهود للثأر من يوليو، ولمواجهة شبح الستينات.. وما أدراك ما الستينات !!

قبل أيام من ذكرى مرور ستين سنة على ثورة يوليوكانت وزيرة الخارجية الأمريكية تهبط علينا في زيارة قيل إنها لتهنئة الأخ الرئيس مرسي وتقديم الدعم الأمريكي، واستكشاف آفاق التعاون. مع زيارة كلينتون تذكرت زيارة حاسمة تمت قبل ما يقرب من ستين سنة في ظروف مشابهة , ورسمت مسار العلاقات المصرية الأمريكية حتى الآن. ففي نفس التوقيت، وبعد عام ونصف من ثورة يوليوجاء وزير الخارجية الأمريكية فوستر دالاس للقاهرة ليلتقي بقادة الثورة. كان اللواء نجيب هوالرقم واحد وهوالذي رأس فريق المحادثات مع دالاس، ولكن التفاوض الحقيقي كان الرقم 2 في الوفد المصري وهوجمال عبد الناصر.

في هذه المباحثات رفض عبد الناصر الأحلاف الأجنبية التي كانت أمريكا تريد فرضها، وأصر على الاستقلال الكامل، ورفض منطق أن ترث أمريكا امتيازات الاحتلال البريطاني الذي كان يلفظ أنفاسه.

وفي هذه المباحثات أدرك دالاس ان عبد الناصر ورفاقه ليسوا مثل"العسكر"التي اعتادت أمريكا تنصيبهم في مناطق نفوذها لينفذوا مخططاتها. ومن هنا كانت بداية الحرب التي قادتها أمريكا على عبد الناصر وعلى ثورة يوليو، حتى رحيل عبد الناصر وحتى الانقلاب على يوليو!!

لا أعرف ماذا قالت القيادات الرسمية في مصر لهيلاري كلينتون في زيارتها الأخيرة، وما إذا كانوا قد أكدوا رفضهم للتدخل الأمريكي في شئون مصر،وإدانتهم للوقاحة التي وصلت إلى مطالبة القضاء المصري بالحكم طبقاً لما تريده واشنطن(!!)ولكني أعرف أن الرد جاء بعيداً عن الجهات الرسمية، وأن الرسالة وصلت للسيدة هيلاري وللإدارة الأمريكية..سواء من تيارات سياسية أدانت مواقف أمريكا الأخيرة، أومن إخوة أقباط رفضوا الجهود الأمريكية لتشجيع الانقسام الطائفي، أومن جماهير حاصرت الوزيرة الأمريكية وضربتها بالطماطم ورفعت في مواجهتها الأحذية !!

بعد ستين عاماً مازالت الحرب على يوليوقائمة..ليس فقط للثأر من الماضي، ولكن أيضاً لمصادرة المستقبل.ومن الطبيعي أن تتوافق في هذه الحرب جهود فصائل "ما أدراك" في الداخل والخارج!!