تكونت شخصية الفرد في بعض البلدان ذات الحكم الشمولي متأثرة بممارسات أجهزة الأمن التي تشكل قوة الحكم الرئيسية، حيث استطاعت رسم ملامح هذه الشخصية وسلوكها ومفاهيمها، سواء على النطاق الشخصي أم الأسري أم المجتمعي.

لقد فرضت السياسات الأمنية المطبقة على الفرد في هذه المجتمعات خوفاً دائماً من الحاضر والمستقبل، ذلك أن هذا الفرد يتوقع أن يعتقل في أي وقت دون أي ذنب يرتكبه، وبالطبع دون إجراءات قضائية، لأن للجهات الأمنية الحق بممارسة مثل هذا الاعتقال.

واتهام المعتقل بأية تهم، وإبقائه لديها أو إحالته للقضاء ليسوّغ اعتقاله قضائياً. ولتحقيق هذا الهدف، تدخلت السياسة الأمنية بشؤون السلطة القضائية وأخضعت القضاء والقضاة كلياً أو جزئياً لأوامرها وسلطتها، سواء كان ذلك بفرض قوانين عقوبات مناسبة لها بعيدة عن حاجات المجتمع التقليدية أم بتطويع قضاة (كبعض المدعين العامين وغيرهم).

هذا إضافة إلى خوف الفرد من الصرف من العمل لأسباب سياسية، أو منع أولاده وأقربائه من العمل في الدولة، وقطع رزقه الذي تعودت أجهزة الأمن على ممارسته، أو منعه من السفر خارج البلاد أو التنقل داخلها أو ما يشبه ذلك، وهذا جميعه مدعاة لأن يعيش أفراد المجتمع في خوف دائم لا نهاية له، ولنا أن نتصور مواصفات هذه الشخصية المرعوبة التي تعيش حياة الخوف المستمر وتترقب المصائب دائماً وبلا انقطاع.

تهيمن سلطة الأجهزة الأمنية على الدولة في هذه البلدان وتحولها هي وإدارتها إلى ملكية خاصة لها، وإلى تابع من توابعها، وبالتالي يختلط في ذهن الفرد مفهوم الدولة بمفهوم الحكومة ويصبح المواطن غريباً عن المفهومين ولا يرى أنه شريك في أي منهما، ومع الزمن يجهل هذا المواطن أو يتجاهل أو لا يهتم باستباحة الحكومة ورجالها للمال العام.

ومخالفة القانون، وانتهاك الأعراف والدستور، حتى صار احترام القانون أمراً بعيد المنال، وغالباً لا يعود الفرد يشعر بأن انتهاك القانون أمر نشاز مع أن القانون هو الضابط الأساس لحقوق الناس وواجباتهم، وشرط أساس من شروط المواطنة، ومع الزمن صار (مال الدولة حلال) وانتهاك القانون (شطارة).

تحرم السلطة الأمنية التي تضع يدها على مثل هذه المجتمعات نقد الشأن العام مهما كان موضوعياً، وعليه ، ومع غياب النقد، تتسع أخطاء الحكومة والإدارة، ويعمّ الفساد ويشمل جميع مناحي الحياة، حتى يكاد أن يصبح قيمة أساسية من قيم المجتمع، وفي بعض المجتمعات، يستغرب الناس وجود موظف أو مسؤول غير فاسد.

وكل ذلك بسبب غياب النقد والمحاسبة منذ اللحظات الأولى لقيام الدولة الأمنية، واستطراداً يدخل النفاق والتدليس في بنية شخصية الفرد ، فلا يعود يجد ضرورة لإبداء رأيه الصريح والصادق، فيمالئ الآخر ويمدحه، مع أن رأيه وحقيقة موقفه هما غير ذلك.

ويتسع هذا السلوك ليشمل النقد السياسي والأدبي والاقتصادي والفكري والإبداع، بل ونقد الصديق والابن والأخ، ويتحول المجتمع إلى مجموعة من الأفراد المجاملين بعضهم ينافق البعض الآخر، أو يتودد إليه، في وقت ينبغي فيه مصارحته دون تردد (وصديقك من صَدقك لا من صَدّقك ).

يصعب الطلب من مثل هذه الشخصية التي صنعتها السياسة الأمنية أن تلتزم الشعور العالي بالمسؤولية تجاه القضايا الوطنية الكبرى، فالوطن والدولة تماهيا لديها مع النظام السياسي، وقد يتضاءل حجم المفاهيم الوطنية وتأثيرها بنظرها فتغدو إجراءات عادية من يوميات النظام السياسي. تتحول الصحافة ووسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية في البلدان ذات السياسات الأمنية إلى نشرات بائسة.

ولا يعود الإعلام تفاعليا في مثل هذه الأنظمة، ويفقد مصداقيته، وتتحول الإنجازات الوطنية إلى إنجازات سياسية للنظام وأهله، إلى درجة حصول الالتباس في ذهن الفرد بين القضايا الوطنية والقضايا السياسية.

وتتولد قناعة لدى كثيرين أن القضايا العامة سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية أم غير ذلك هي مسؤولية الدولة وحدها ، وليس للفرد أو المجتمع أي دور أو مسؤولية فيها. ولا يخطر ببال الفرد أنه مسؤول وأن من حقه النقد أو الاقتراح أو المشاركة في وضع الحلول أو في تنفيذها، وصار عندما يتحدث عن تقصير ما، يتحدث وكأنه خارج المشكلة أو مراقب من بعيد، حتى أنه لا يعطي لنفسه حق التمني لإصلاح هذا الأمر أو ذاك، لأنه مقتنع بأنه خارج اللعبة برمتها.

تتوصل السلطة الأمنية من خلال ممارساتها إلى إقرار سياسات ثقافية وإعلامية تتلاءم مع مفاهيمها العامة، وقيمها الأساسية، فتعود الأفراد على التلقي والتلقين واستقبال الأوامر فقط، دون المساهمة في إبداء الرأي والحوار أو المشاركة في صنع القرار، وبالتالي تبعد السياسات التربوية والثقافية والإعلامية عن أن تكون ديمقراطية.

وتبقيها أسيرة الأوامر والنواهي، ومع الزمن ينتقل هذا إلى المجتمع ومؤسساته، وأخيراً إلى الأسرة وإلى العلاقة بين الأب والأم والأبناء، وبين الأخوة بعضهم مع البعض الآخر، وبين الجيران وأهل الحي، ويبتعد الجميع عن الروح الديمقراطية والممارسة الجماعية لشؤون الحياة والدور.

وقبول الآخر والتعايش معه وفهم شروطه، ويصير الفرد (وحده ضد روما) لا يؤمن بأهمية الجماعة أو الحوار أو الديمقراطية، وله مفاهيم مشوهة عن الدولة والحكومة والنقد والمشاركة والحوار والحرية والديمقراطية والحق والواجب، وكأنه من عالم آخر وفي عصر آخر.