بينما كانت كل العيون في أميركا تتركز على المحكمة العليا وبرنامج أوباما كير الصحي، خلال الأسابيع الماضية، فإن معركة أقل إثارة للضجة يتم شنها على المبادرة الكبرى الأخرى للرئيس الأميركي، وهي قانون دود - فرانك للإصلاح المالي.

 وقد قامت وول ستريت بالفعل بعرقلة وتعطيل هذا القانون، وهي تريد الآن إيجاد ثغرة كبيرة فيه، عن طريق إعفاء فروعها الخارجية من تطبيق هذا القانون عليها. ولكن الفروع الخارجية لبنوك وول ستريت، هي على وجه الدقة المكان الذي قامت فيه هذه البنوك بجانب مكـّن أكثر رهاناتها إغراقاً في المغامرة. وقبل 4 سنوات مضت، أوشكت المراهنات السيئة التي قام بها مكتب لندن التابع لمجموعة أميركان انترناشيونال، على تفكيك النظام المالي الأميركي.

تتمثل إحدى المزايا المتعلقة بكون مصرف بعينه من مصارف وول ستريت، في أن هذا المصرف يتم إنقاذه من قبل الحكومة الفيدرالية عندما يقوم بمراهنات تتسم بالحماقة. وهناك ميزة أخرى، تتمثل في أن هذا المصرف يختار ذلك المكان من العالم الذي يقوم فيه بمراهناته الحمقاء، الأمر الذي يتيح له تجنب الضوابط الأميركية، وبالتالي فهو موقف لا يحتمل المغامرة.

وول ستريت تريد أن يستمر الأمر على هذا النحو، وعندما اقترحت مفوضية التداول في المعاملات المستقبلية للسلع، مد نطاق تطبيق قانون دود ـ فرانك إلى الفروع الخارجية لوول ستريت، بادرت هذه البنوك إلى الصراخ.

وقال جيمي ديمون رئيس مجلس إدارة جي بي مورغان محذراً: "إذا اشتغلت مكاتب جي بي مورغان الخارجية في ظل قواعد مختلفة عن تلك التي يشتغل بناءً عليها المنافسون الأجانب، فإن وول ستريت سوف تخسر أنشطة أعمال مالية لصالح البنوك المنتمية إلى بلاد ذات قيود أقل، الأمر الذي يسمح لمصرف دويتشا بإبرام صفقة أفضل".

وتعد مراهنة جي بي مورغان المتضمنة للمخاطر في لندن، دليلاً إضافياً على أنه ما لم تقم النظم الأميركية بتغطية العمليات الخارجية لمصارف وول ستريت، فإن المصارف العملاقة ستبادر إلى إخفاء مراهناتها الخارجية غير المسؤولة. وحتى في الوقت الراهن، فإنه ما من أحد يعرف إلى أي مدى من السوء سيتعرض جي بي مورغان وبنوك وول ستريت الأخرى للاهتزاز، إذا أفلست مصارف كبرى في إسبانيا وغيرها من دول أوروبا.

مضت حشود من محامي وول ستريت والمدافعين عنه، في الضغط على كل الهيئات المكلفة بتطبيق قانون دود - فرانك لكي تتساهل مع وول ستريت، خوفاً من أنه إذا كانت النظم صارمة للغاية، فإن المصارف الكبرى ستغدو أقل تنافسية على الصعيد العالمي.

وهذا طرح يمكن ترجمته بأن هذه البنوك ستنقل المزيد من أنشطتها إلى لندن وفرانكفورت، حيث الضوابط الأقل صرامة.

وفي الوقت نفسه فإن وول ستريت مضت تحذر الأوروبيين، من أنه إذا كانت ضوابطهم المالية بالغة الصرامة، فإن البنوك الكبرى ستنقل المزيد من أنشطتها إلى الولايات المتحدة، حيث ستكون الضوابط أقل صرامة.

وبعد أن قامت لجنة بازل حول الإشراف المصرفي (وهي كيان عالمي للرقابة المالية التنظيمية)، بإصدار مجموعة جديدة من القواعد في 2010 للتشدد في ما يتعلق بمتطلبات رأسمال البنوك وسيولتها، هدد المسؤولون الأوروبيون بأن يصبحوا أكثر صرامة، ووافقوا على نظام جديد للهيئات الرقابية الأوروبية، يتضمن سلطات إضافية لحظر منتجات أو خدمات مالية معينة، في الأوقات التي تعاني الأسواق فيها من الضغوط.

وقد دفع بلويد بلانكفيل، الرئيس التنفيذي لغولدمان ساكس، لكي يصدر حسب تعبير فايننشال تايمز: "تحذيراً واضحاً من أن البنك يمكن أن ينقل عملياته على امتداد العالم، إذا أصبح الهجوم التنظيمي على الصناعة أكثر صرامة مما ينبغي".

وأبلغ بلانكفيلد مؤتمراً مالياً أوروبياً بقوله إن فرض ضوابط في أوروبا أكثر صرامة من الولايات المتحدة، سيدفع البنوك إلى البحث عن أرخص وأسهل بيئة عمل للاشتغال فيها. وأضاف محذراً: "إن العمليات يمكن نقلها عالمياً، ورأس المال يمكن الوصول إليه عالمياً أيضاً".

لابد لأحد من أن يذكـّر ديمون وبلاننكفيلد بأنهما وزملاؤهما في وول ستريت، أوشكوا قبل 4 سنوات على دفع الاقتصاد الأميركي إلى الانهيار، وكذلك اقتصاد جانب كبير من باقي العالم. وقد طالب قدامى العاملين في وول ستريت، بعملية إنقاذ عملاقة يمولها دافعو الضرائب. ومعظم الأميركيين لا يزالون يتعايشون مع النتائج التي ترتبت على ذلك، تماماً كما هي حال الملايين من الأوروبيين.

لا يمكن لوول ستريت أن تكسب على الوجهين، بمعنى أنها لا يمكنها أن تكون أكبر من أن تسقط، وكذلك أن تكون قادرة على القيام بمراهنات مثقلة بالمغامرة خارج الولايات المتحدة.

إذا طالبت بنوك وول ستريت بإطلاق يدها وبأن تفعل ما تشاء في الخارج، فإن أقل ما ينبغي أن يطالب به الأميركيون هو تفتيتها من الداخل، بحيث لا تكون أكبر من أن تسقط في أي مكان.