المتناقضات في الحياة كثيرة، نصادفها ونتعايش معها على مستوى العلاقات في المجتمع الواسع، وعلى مستوى المجتمع الأصغر، مجتمع الأسرة، وربما على مستوى سلوك الفرد نفسه.. إلا أن عالم السياسة هو الأكثر إثارة وثراء بالمتناقضات. الأمثلة كثيرة حول ذلك، ولكن أكثرها حداثة هو ما جرى في زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون للعاصمة المصرية، ولقائها للمرة الأولى مع الرئيس المنتخب محمد مرسي.
فقد شهدنا عبر وسائل الإعلام، لقاء ناجحاً بين الوزيرة الأميركية وبين الرئيس المصري، تخلله الكثير من الابتسامات والإيماءات الودودة. وصدر عقب ذلك اللقاء بيان عن الرئاسة المصرية، يؤكد على متانة العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، وأن مصر تلتزم بكافة المعاهدات والاتفاقات القائمة.
من جانب آخر، قضت الوزيرة ليلة مزعجة في جناحها الفندقي في القاهرة، بعد أن واجهت تظاهرات غاضبة معادية، من نقطة انطلاقها من المطار وحتى وصولها لمقر إقامتها. وتكرر المشهد بعنف أشد في اليوم التالي، عند زيارتها للمركز الثقافي الأميركي في مدينة الإسكندرية. والحقيقة أن في ذلك مفارقة طريفة لا تتعلق بشخص الوزيرة الأميركية.
وإنما بإشكالية غريبة تدخل في باب المتناقضات. فمن استقبل الوزيرة بحفاوة هم المنتسبون لأكبر الحركات الإسلامية في مصر، وهي جماعة الإخوان المسلمين، الذين ينتمي إليهم الرئيس المصري الجديد، ومن رجمها هم دعاة الدولة المدنية وبعض الليبراليين، الذين طالما وجدوا في الأفكار الليبرالية الأميركية مصدر إلهام لمقاربة قضايا مجتمعهم بروح تنسجم مع سمات العصر ونكهته.
زيارة الوزيرة الأميركية تأتي في سياق حرص الولايات المتحدة على التعرف على ما قد يستجد في موقف مصر من اتفاقيات كامب ديفيد لطمأنة الجانب الإسرائيلي الذي كان المحطة التالية لزيارة كلنتون. فالمعروف أن المواطن المصري لم يكن راضياً على اتفاقيات كامب ديفيد، التي عقدها الرئيس الراحل أنور السادات.
والتي بسببها تقلصت شعبيته إلى حلقة ضيقة من النخب المصرية، وكذا كان الحال مع الرئيس السابق مبارك. فالقوميون العروبيون والإسلاميون، على السواء، كانوا ضد تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولم ينظروا إلا بعين العداء والاستنكار لوجود سفارة إسرائيلية في عاصمتهم. ومجيء رئيس إسلامي لمصر، قد يعيد خلط الأوراق بشكل يزعج الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.
هناك تعارض وتضاد بين أهداف الحركات الإسلامية ونظيرتها الأميركية، تزيد من تباعدها الانتماءات الثقافية والتراثية المتباينة، وتعمقها مواقف هذه الحركات من الأنظمة السياسية الحاكمة الحليفة أو الصديقة للولايات المتحدة، ويزيدها عمقاً موقف الولايات المتحدة المنحاز كلياً ناحية إسرائيل. العلاقة بين الحركات الإسلامية والولايات المتحدة فيها الكثير من الإبهام والالتباس، وليس فيها ما هو بيّن ومنطقي سوى المصالح الأميركية.
الحركات الإسلامية في العالم لها أجندة متباينة، بعضها لا يخفي عداءه الشديد لسياسات الولايات المتحدة، وبعضها الآخر لم يكتفِ بذلك، بل قام بتنفيذ عمليات إرهابية بثت الهلع والرعب في جميع أنحاء العالم، ضد المصالح الغربية وبشكل خاص الأميركية، في حين أن بعضها الآخر لا يرى ضيراً في التوجه نحو دولة مدنية علمانية، كما هو الحال مع حزب العدالة والتنمية التركي.
ولكن استراتيجية الولايات المتحدة، من جانب آخر، توضع وفق نهج براغماتي يضع مصالحها في مقدمة أهدافها، فهي تنتهج في هذا الصدد سياسة انتقائية، تقرب بعض الحركات الإسلامية إليها وتبعد أخرى عنها.
فقد صنفت تنظيم القاعدة كخط أحمر، تخوض حرباً لا هوادة فيها ضده وملاحقته لاجتثاثه أينما يكون، وخلاف ذلك لا مانع لديها من فتح حوار مع أية حركة إسلامية أخرى، ومن ضمنها من حمل السلاح ضدها وتحالف مع تنظيم القاعدة، وهي حركة طالبان.
لم يخفَ على الولايات المتحدة، وهي ترصد منذ سبعينيات القرن المنصرم تراجع نفوذ التيار اليساري والتيار القومي العروبي في الشارع العربي، أن ترصد في الوقت نفسه تنامي قوة التيارات الإسلامية، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية حقبة الحرب الباردة. ولم يخفِ مخططو سياساتها وواضعو استراتيجياتها، أن المرحلة القادمة قد تتطلب إعادة النظر في بعض قناعاتها ومواقفها من الحركات الإسلامية.
وهو ما حصل فعلاً. وكان مجيء الرئيس أوباما لسدة الحكم بمثابة الترجمة العملية لذلك، فقد رفعت الإدارة الأميركية غطاء تأييدها ودعمها للأنظمة غير الديمقراطية، منذ الخطاب الذي وجهه الرئيس أوباما للعالم الإسلامي من جامعة القاهرة في يونيو عام 2009، وحذر حكوماته من مغبة تجاهل ضرورات الإصلاح.
وقد أظهرت الولايات المتحدة تعاطفها مع الجماهير التي رفعت شعارات التغيير في عدد من العواصم العربية وأسقطت عدداً من أنظمتها السياسية، على الرغم من أن بعض رؤسائها كانوا من حلفاء الولايات المتحدة. صحيح أنها لم تسهم بشكل مكشوف في التغيير الذي جرى في مصر.
والذي مهد الطريق لصعود مرشح الإخوان المسلمين لسدة الرئاسة، إلا أن دورها في ذلك لا يمكن التغاضي عن أهميته. فبعد عقود من انعدام الثقة المتبادل، وعدم قناعة الولايات المتحدة بقدرات الحركات الإسلامية السياسية على تبنّي مبدأ الديمقراطية والالتزام به، نرى أن الجليد بينها وبين الإخوان المسلمين في أكبر دولة عربية قد ذاب، وأنها قد غيرت قناعاتها ولم تعد تتحفظ على صعودهم لسدة الحكم وترى عدم تعارض ذلك مع مصالحها، فما هو الضامن لذلك؟
ربما ترى الولايات المتحدة أن من المستبعد أن يعمد الرئيس الجديد إلى انتهاج سياسة خارجية تختلف عن النهج السابق، وذلك لأن الأجواء السياسية في العالم العربي لم تعد كما كانت إبان حقبة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم. كما أن من الصعب تخطي المؤسسات القائمة، وأبرزها المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
هذا إضافة إلى أن الاقتصاد المصري في وضع لا يسمح بالاستغناء عن المساعدات السنوية التي تتلقاها مصر من الولايات المتحدة. من جانب آخر، ليس من السهل على الرئيس الجديد أن يتجاهل حجم المعارضة له في أية خطوة سياسية يتخذها، فما يقرب من نصف الناخبين قد منحوا أصواتهم لمنافسه، ابن المؤسسة العسكرية وصاحب مشروع الدولة المدنية.