كل الدلائل تشير إلى أن إسرائيل لا تريد سوى ابتلاع الأرض المحتلة بأكملها. فهي لم تكتف بتوسع حكوماتها المتعاقبة في الاستيطان، بينما الطنطنة الفارغة تحدث على قدم وساق عن مفاوضات تجرى ومحادثات تتم، وإنما تسعى الآن أيضا إلى إضفاء الشرعية القانونية على ذلك الاستيطان، وفتح الباب على مصراعيه للمزيد من التوسع فيه لابتلاع الأرض كلها.

والحقيقة أنه لا يخفى على أحد أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لم تتوقف يوما عن التوسع الاستيطاني في الأرض المحتلة، ضاربة عرض الحائط بكل المواثيق الدولية. لكن الجديد اليوم، هو أن حكومة نتنياهو انتقلت هذه المرة إلى نقطة أعلى.

فهي شكلت لجنة قضائية لبحث الاستيطان، ضمت ثلاثة قضاة سابقين وعرفت باسم لجنة ليفي، نسبة إلى رئيسها إدموند ليفي، القاضي الأسبق في المحكمة الدستورية الإسرائيلية. وقد أصدرت لجنة ليفي تقريرا الأسبوع الماضي، قالت فيه إن الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية ليس احتلالًا، ومن ثم يحق لإسرائيل البناء في تلك الأراضي واستغلالها كيفما تشاء!

والتقرير لا يضرب بالقانون الدولي وحده عرض الحائط، وإنما يتجاهل في الوقت ذاته الإجماع العالمي الذي أقر صفة الاحتلال على الأرض الفلسطينية المحتلة في 1967. وهو يتجاهل أيضاً قرارات المحكمة الدستورية في إسرائيل نفسها، بخصوص هذا الموضوع.

لكن حكومة نتنياهو لم تعلن قرارها بشأن تقرير اللجنة بعد الاطلاع عليه، وبدلاً من ذلك أعلن نتنياهو تشكيل لجنة جديدة أطلق عليها اسم "اللجنة الوزارية للمستوطنات"، يشكلها هو بمعرفته من الوزراء ويترأسها شخصيا، لاتخاذ القرار بشأن ذلك التقرير.

وسواء تبنت حكومة نتنياهو التقرير رسميا، أم قررت الاستمرار في سياساتها الاستيطانية الحالية دون أي قرار علني بإضفاء "الشرعية" عليها، فإن النتيجة واحدة، وهي أنه قد آن الأوان لتعترف الحكومات العربية رسمياً بوفاة حل الدولتين.

والحقيقة أن حل الدولتين لم تأخذه إسرائيل يوماً على محمل الجد، ولم يكن في نيتها أبدا التوصل لتسوية تسمح بقيام دولة فلسطينية، قبل أوسلو أو بعدها. فرابين قال صراحة إن الدولة الفلسطينية لا بد أن تكون "كياناً أقل من الدولة"، وحزب العمال الإسرائيلي تحدث عن دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومنقوصة السيادة، وشارون قرر الانسحاب من غزة من أجل منع قيام دولة فلسطينية أصلاً.

أما نتنياهو، فهو حين كان رئيساً للوزراء في التسعينات ثم وهو رئيس للوزراء اليوم، قد تبنى سياسة تهدف إلى تعطيل أي سعي جاد لإقامة دولة فلسطينية. وإسرائيل حين تبقي على ما يسمى "محادثات السلام"، فإنها تحقق من وراء ذلك مصلحة لها. فاستمرار "العملية" بلا نهاية، يساعد إسرائيل على كسب الوقت لابتلاع الأرض من ناحية، ومن ناحية أخرى هو الأساس لإعادة إنتاج الأسطورة التي تزعم فيها إسرائيل زورا، أنها حريصة على "تحقيق السلام" وجادة في السعي للوصول إليه، ولكنها لا تجد للأسف شريكاً فلسطينياً.

وإسرائيل لا يوجد عندها دافع على الإطلاق لتغيير موقفها هذا، ولا يوجد ما يضطرها حتى الآن للتوقف عنه. فتوازن القوى بينها وبين الفلسطينيين مختل إلى أبعد الحدود، والولايات المتحدة لا تجد غضاضة في الإبقاء على الوضع القائم كما صممته إسرائيل.

فالاستمرار في مسرحية "محادثات السلام"، يعطي لأميركا الفرصة للاستمرار في ممارسة نفوذها في المنطقة والاحتفاظ بعلاقات قوية مع حلفائها العرب، طالما أن "عملية السلام" لا تزال على الطاولة.

وهو ما يمكنها من خلق ترتيبات جديدة للهيمنة على المنطقة. أما أوروبا، فقد وجدت لها موضع قدم في هذه المنطقة الحساسة من العالم، عبر الدعم المالي للفلسطينيين، دون أن تتطرق أبدا لدعم حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة على أرضهم.

واستمرار سياسات الاستيطان بما يستحيل معه إقامة دولة فلسطينية، معناه أننا بصدد وضع جديد سيبرز خلال سنوات قليلة، وهو امتداد إسرائيل لتشمل كافة الأرض الفلسطينية التي احتلت في 1967.

ووفق الدراسات السكانية المعنية بإسرائيل والأرض المحتلة معاً، يرى الباحثون أنه بنهاية العقد الحالي، من الممكن أن يصل عدد اليهود داخل إسرائيل والأرض المحتلة معاً، إلى 46% فقط من السكان، وهو ما يعني أغلبية فلسطينية. وهذا التوازن السكاني معناه، عند حدوثه، نهاية دولة إسرائيل ونهاية المشروع الصهيوني نفسه، الأمر الذي قد تسعى إسرائيل للحيلولة دونه عبر بديلين، تحتفظ بموجب كل منهما بالأرض كلها.

الأول هو انتهاج سياسة فصل وتمييز عنصري أوسع مما تفعله اليوم. عندئذ ستصبح إسرائيل أشبه ما يكون بنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. فهناك أيضاً، كانت الأغلبية الكاسحة من السكان مضطهدة ومحرومة من ممارسة حقوقها، بينما تستحوذ الأقلية على كل الامتيازات والحقوق والحريات.

أما البديل الثاني أمام إسرائيل، فهو ما يعرف بالترانسفير، أي طرد الفلسطينيين من ديارهم إلى خارج إسرائيل والأرض المحتلة.

ولا يوجد بديل آخر غير هذين البديلين، ما دام الاستيطان يجعل إقامة الدولة الفلسطينية مسألة مستحيلة. وسواء تبنت إسرائيل البديل الأول أو الثاني فالنتيجة واحدة، وهي معاناة فلسطينية بلا نهاية.

أما وأن الاستيطان الإسرائيلي المستمر منذ عقود حتى كاد يبتلع الأرض كلها، يحدث تحت سمع وبصر ما يسمى المجتمع الدولي وبتواطؤ واضح من حكوماته، فإن الأمل المتبقي هو أصحاب الضمائر في المجتمع المدني العالمي، الذي يسعى لنزع الشرعية عن الاحتلال وفضحه، ويدعو لمقاطعة إسرائيل كوسيلة للضغط عليها، حتى تترك الأرض المحتلة لأصحابها.