لم تكن الثروة المائية الحية وتنميتها والحفاظ عليها، غائبة يوماً في استراتيجية التنمية التي خطتها دولة الإمارات منذ نشأتها، فكانت حاضرة في برامجها وقوانينها واهتمامات قيادتها، ولعل إحدى أبرز محطات ذلك بعد تأسيس الاتحاد، كانت إنشاء مركز بحوث الصحراء والبيئة البحرية عام 1976، الذي تكفل بإجراء المسح العلمي لمختلف الأحياء المائية؛ من نباتات وحيوانات بحرية، وتنمية الثروة السمكية، وإجراء بحوث تلوث البيئة البحرية بالزيت، والحد من التلوث البيئي في الماء والهواء والأرض، وتحديد مصادره من مبيدات ومخلفات صناعية وبترولية وكيميائية ونفايات صلبة.

علامة مضيئة تلتها علامات عديدة صبّت في الاتجاه ذاته، من خلال سنّ القوانين وتحديد الإجراءات لترسيخ الحفاظ على هذه الثروة، وعدم التلاعب بها والجور عليها لتبقى ذخراً للأجيال، وجاء أحدثها قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه لله، بشأن تطبيق جزاءات إدارية للمخالفين لضوابط التعامل مع الثروات المائية الحية والثروة السمكية، على النحو العلمي والإداري المنظم.

وربما من فضول القول الحديث عن أهمية الثروة السمكية، وارتباطها الأصيل بأبناء الإمارات حين كانت المورد الأكبر والوحيد أحياناً لكثير منهم، وحين كان البحر الجار الوفي والمخزن الوحيد لموارد رزق الأجداد، صيادين وغواصين، ومتنفساً يومياً لاستقبال الحياة، وظل هكذا حتى أخرجت الصحراء كنوزها، لتأخذ زمام المبادرة في رفد عصب النهضة والتنمية والحضارة بعد اكتشاف النفط.

فكان الصياد والنوخذة والتاجر إماراتياً بامتياز، في سلسلة متصلة تبدأ من المواطن وتنتهي إليه في منفعة تعم الجميع، حتى بدأنا نلاحظ في العقد الأخير دخول الكثيرين على هذه السلسلة، وتراجع دور المواطن عن عشق البحر والرحلة فيه، ليقع المواطن والبحر ضحية استغلال الكثير من التجار الذين لا يهمهم سوى الأرباح، بغض النظر عن حماية الثروة المائية الحية والسمكية على وجه الخصوص، أو الإضرار بها.

مخالفات وغرامات وضوابط وإجراءات تضمنها القرار الأخير، تلاحق من اعتدى على المخزون البحري بأشكال غير مرخصة. ولا شك أن الوضع المرخص هو ذاك الوضع المدروس من خبراء البيئة والمياه والثروات المائية في الدولة، بحيث تتم الاستفادة من المخزون البحري، دون الاعتداء عليه وتحطيمه بالصيد الجائر أو التلوث البحري.. في تفصيل شامل ودقيق، لم يترك للمخالفين مجالاً للاعتداء على سلامة الثروة المائية الحية، في نظرة تنظيمية دقيقة لأهمية هذه الثروة ومكانتها.

إلا أننا دائماً عند الحديث عن البحر والثروة المائية والسمكية، يتقافز إلى حيز أسفنا نضوب ثروة رديفة متعلقة بالبحر، عرفته يوم أن لم تكن تعرف غيره، وهو الصياد المواطن. هذه الثروة لا تقل أهمية أبداً عن الثروة الطبيعية المائية، بل لا نبالغ إذا جزمنا أن الصياد والتاجر المواطن هما الأحرص على حماية الثروة السمكية على الوجه الأمثل، من دون جور أو اعتداء.

إحصائيات تطالعنا كل حين من مختلف إمارات الدولة بتراجع أعداد الصيادين الإماراتيين، حتى بدأ الكثيرون يبدون خشيتهم البالغة من انقراض مهنة الآباء والأجداد، نظراً لتراجع اهتمام جيل الشباب بها، وارتفاع كلفة ممارستها.

ويكفي أن نعلم أن من بين 18 ألف عامل في قطاع الصيد في الدولة حالياً، لا يشكل المواطنون سوى أقل من الثلث، ويتناقص هذا الرقم عاماً بعد عام في الوقت الذي يزداد فيه عدد غير المواطنين بمعدل مماثل وأكثر. كل هذا رغم تقديم جهات حكومية وغير حكومية دعماً لهذه المهنة، الشيء الذي يعتبره الكثيرون غير كافٍ ولا يقف في طريق الأسباب الطاردة للشباب عن العمل في مهنة الصيد.

ولا ننكر أن هناك تقصيرا من جانب الشباب في الثقة بمهنة الصيد، لما يجدونه من شراسة المنافسة من الجاليات الأجنبية، في الصيد والشراء والبيع، إلا أن الحل لا بد من أن يكون مدروساً على نحو فاعل، إذا كنا حقاً نرغب في تثبيت أقدام المواطنين في مهنة الأجداد، حتى لا يأتي اليوم الذي نفتقدها ويصبح تذكرها في المتاحف فقط، أو في المهرجانات السنوية.