في الخامس من يوليو 2012، تلقت وزارة الخارجية الصينية دعوة من الحكومة الفرنسية لحضور مؤتمر "أصدقاء سوريا في باريس"، لكنها تمنعت عن الحضور لأن المؤتمر لا يضم جميع أطراف الصراع والقوى الداعمة لها من جهة، ولا يساعد على حل الأزمة السورية بالطرق السلمية من جهة أخرى. ودعت المجتمع الدولي إلى تنفيذ ما تم التوافق عليه في مؤتمر جنيف، الذي رعته مجموعة العمل حول سوريا التابعة لمجلس الأمن الدولي، وصدرت مقرراته في 30 يونيو2012.
ضم اجتماع جنيف وزراء خارجية الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، بالإضافة إلى ممثلين للأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ودول أخرى. وقدم وزير خارجية الصين إلى الاجتماع اقتراحا يساعد على إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، تضمن النقاط التالية:
1 - الالتزام بمسار التسوية السلمية، لأن الحوار السياسي هو السبيل العملي الوحيد لحل الأزمة السورية.
ودعت الصين المجتمع الدولي، خاصة أعضاء مجموعة جنيف، إلى حث الحكومة السورية والمعارضة بطريقة متوازنة، على التنفيذ الجاد لجميع بنود خطة أنان، والالتزام بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وطالبت بوضع حد نهائي للعنف، وحماية المدنيين، والبدء بحوار سياسي شامل دون شروط أو أحكام مسبقة على النتائج.
2- تقديم الدعم الكامل لجهود الوساطة التي يقوم بها أنان، ونشاطه المستمر لإيجاد حل سلمي للأزمة السورية، مؤكدة القناعة بأن وساطته تتضمن حلا عقلانيا يفضي إلى تسوية سياسية للأزمة، وأن من واجب المجتمع الدولي دعم جهود أنان وعمل بعثة المراقبة التابعة للأمم المتحدة، لما يقومان به من دور إيجابي وبناء، وترفض الصين وضع عقبات من أي نوع أمام وساطته.
3 ينبغي على جميع الأطراف احترام الخيار المستقل للشعب السوري. وتولي الصين أهمية كبيرة للانتقال السلمي في سوريا، وفق خطة أنان التي تضمنت الالتزام بتسوية سياسية بقيادة سورية، واحترام سيادة واستقلال ووحدة الأراضي السورية، ودعوة السوريين إلى حوار وطني شامل. فالشعب السوري قادر على التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة من جميع الأطراف المعنية بالأزمة، ولا يجوز لأحد أن يقرر نيابة عنه نقاط التسوية. وتعارض الصين أي خطة تفرض على سوريا من الخارج، لا يوافق عليها ممثلو الشعب السوري.
4- دعت الصين أطراف النزاع إلى تحمل مسؤولياتهم الوطنية، والتحلي بالصبر والحكمة، وصولا إلى إقرار تسوية سياسية عادلة. فالمسألة السورية معقدة وحساسة، وعلى الدول المعنية بها التنبه إلى مخاوف جميع الأطراف، والعمل على بناء التوافق والثقة في ما بينها، من خلال الحوار الجاد والمصالحات الوطنية.
ومن واجب تلك الدول أن تتبنى موقفا واحدا في التعاطي مع جميع الأطراف السورية وأمام المجتمع الدولي، على أن تكون المصالح الأساسية للشعب السوري وحماية السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، هي المقياس الأساسي للحل السلمي، وفق مبادئ وميثاق الأمم المتحدة والأعراف الأساسية الناظمة للعلاقات الدولية.
نخلص إلى القول إن الصين تدعم وساطة أنان. وبعد مجزرة التريمسة، طالب أنان الحكومة الصينية بالضغط على سوريا لإنقاذ مهمته، وحمل طرفي النزاع على تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي وتوصيات مؤتمر جنيف بشأن سوريا. فقد اتفق المجتمعون في جنيف على ضرورة قيام حكومة انتقالية في سوريا لإنهاء النزاع فيها، واستبشر بعض المحللين بنهاية قريبة للأزمة، تنقذ الشعب السوري من حرب أهلية وشيكة.
بيد أن مقررات جنيف لم تشر إلى إسقاط الرئيس الأسد كشرط للبدء في العملية الانتقالية، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة وحلفاؤها من الأوروبيين والعرب، نكسة خطيرة لسياستهم تجاه الأزمة السورية. وبسبب الخيبة من مقررات جنيف، رفع صقور المعارضة السورية سقف مطالبهم، ورفضوا أي حل سياسي لا يبدأ برحيل الأسد، وتفكيك نظامه، وتصفية موروثاته، كشرط أساسي لبناء سوريا الجديدة على أسس ديمقراطية سليمة.
لكن النظام السوري ما زال يلقى الدعم الكامل من روسيا وإيران، مما دفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى عقد مؤتمر باريس قبل أن يجف حبر مقررات جنيف. وأطلقت كلينتون تهديدات مباشرة إلى الصين وروسيا، وطالبت بمعاقبتهما بعد أن رفضتا حضور مؤتمر باريس، الذي دعا منظموه إلى حرب تحرير شعبية لإسقاط النظام السوري.
لكن الصينيين بنوا ركائز سياسة التوحيد السلمي للمناطق الصينية، على المبدأ التالي: "ترفض الصين بصورة جازمة إراقة الدم الصيني على أرض الصين، بأيد صينية". ودعت السوريين جميعا، في السلطة والمعارضة، إلى وقف إراقة الدماء السورية على الأراضي السورية، وبأيدي السوريين أنفسهم.
كما دعت أصدقاء سوريا الحقيقيين إلى عدم التدخل في الأزمة السورية، والتوقف عن تمويل أطراف الصراع من السوريين بالسلاح والمال، لكي يستمروا في نزاعاتهم الدموية التي أوشكت أن تتحول إلى حرب أهلية.
وتمنعت الصين عن حضور مؤتمر باريس، لأنها توقعت أن يشكل تحريضا مباشرا لإسقاط النظام السوري بقوى عسكرية مدعومة من الخارج.
وسخرت من تهديدات كلينتون، واعتبرتها جزءا من معركة أوباما الانتخابية. وهي على قناعة بأن إصرار الغرب على موقفه الداعي إلى رحيل الأسد كشرط لتنفيذ مقررات جنيف، يبدو صعب المنال، وكذلك تطبيق النموذج اليمني لحل الأزمة السورية، لأن النظام السوري ما زال متماسكا.. فاعتبرت الصين مقررات مؤتمر جنيف فرصة تاريخية لإنهاء الأزمة، بما يضمن وحدة سوريا وشعبها.
وهي على قناعة بأن الجميع سيخسر في حال استمرت المنافسة الدولية على سوريا، لأن شظاياها ستصيب منطقة الشرق الأوسط بأكملها. فهناك أطراف عدة، داخل السلطة والمعارضة، تلقى الدعم المالي والسلاح من دول خارجية.
وحدها الصين تطالب يوميا بوقف العنف الدموي، وتطالب الدول الأخرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، بالعمل المشترك على تنفيذ ما اتفقت عليه في جنيف لوقف العنف والبدء بتنفيذ الحل السياسي، وتحويل بعثة الأمم المتحدة من مراقبين عسكريين، إلى فريق عمل مدني يراقب كيفية تنفيذ الحل السياسي واحترام حقوق الإنسان السوري.
وهذا ما دفع كوفي أنان للتوجه مباشرة إلى الصين لتساعد على حل النزاع بالحوار السياسي، لأنها الدولة الوحيدة في مجلس الأمن التي لم تشارك بالمال أو السلاح في دعم النظام أو المعارضة في سوريا، وتؤكد على أن نجاح الحل السياسي رهن بتوافق السوريين أولا.