لم يكن مستغرباً أن يفاجئنا من حين لآخر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبى، عبر موقعه الإلكتروني بمبادرة غير مسبوقة ولم تخطر على بال أحد، وأحدث المبادرات تمثلت في ابتكار مقترح لعلامة تميز دولة الإمارات عن الدول الأخرى، وهي فكرة مبتكرة تزين وجه دولتنا وتكسبنا جميعا كمواطنين الإحساس بالانتماء إلى وطن الآباء والأجداد.

لقد أطلق سموه هذه المبادرة من خلال موقعه الالكتروني، مناشدا الجميع لاختيار واحد من خمسة تصاميم اتسمت جميعها برؤية لها عدة دلالات ومعانٍ مرتبطة بخصائص ومقومات مجتمع الإمارات.

ويرى أساتذة علم الأنثروبولوجيا الثقافية أن الرموز التي تتبناها الدول تعود إلى أن الجماعات الإنسانية اضطرت لتميز أصلها القبلي عن سائر القبائل الأخرى، بل إن اتخاذها رمزا خاصا لها كان مطلبا ضروريا، فالرمز توسم به قطعان الماشية حتى يتم التعرف عليها. وفي مراحل تاريخية لاحقة انتقلت الفكرة إلى الرومان واليونانيين.

وقد انتقلت فكرة الرمز كراسب ثقافي للمجتمعات الحديثة، فنجد أن القبائل الألمانية في عصورها الأولى اتخذت الصقر رمزاً وشعارا، واستمر شعارا للأمة الألمانية إلى اليوم. ويلاحظ أن معظم دول العالم ما زالت تستلهم من الحيوانات والطيور رموزا لها.

وفي مراحل لاحقة أخذت الدول تتبارى في اختيار ألوان للعلم الذي يميزها، وجرت العادة أن تعبر الألوان عن خصائص ومقومات المجتمع. فمثلا نجد اللون الأخضر يرمز للزراعة، والأصفر للصحراء، والأزرق للماء أو زرقة وصفاء السماء، أما الأحمر فقد يدل على نضال وكفاح الشعب.

ومعلوم أن لدولة الإمارات علمها الذي تميزه الألوان الأخضر والأحمر والأبيض والأسود، وهي الألوان التي أجمعت عليها كل الدول العربية، باستثناء السعودية وقطر والبحرين وموريتانيا والمغرب، التي رأت الاحتفاظ بألوان بلادها لاعتبارات معينة. وقد رأى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن يكون للدولة، بالإضافة إلى العلم، رمز (علامة)، وهي مبادرة تستحق الالتفاف حولها والتفاعل الإيجابي معها، من خلال دخول الموقع والتصويت للعلامة المفضلة، والرموز الخمسة مكونة من الألوان الأربعة لعلم الدولة.

تجدر الإشارة إلى أن العلامة المقترحة والتي تم عرضها أمام مجلس الوزراء، تعتبر علامة ترويجية هدفها إيصال رسالة الإمارات إلى العالم برؤية جديدة ومبتكرة، للتعريف بمجموعة الخصائص التي تميز دولة ومجتمع الإمارات، في الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية. وبناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فإن باب التصويت لأي من الرموز المعروضة، سيكون مفتوحا حتى الثامن عشر من شهر يوليو الجاري، إذ بإمكان أي مشارك اختيار واحد من خمسة رموز (تصاميم) قابلة للتطبيق العملي باللغتين العربية والإنجليزية. وكل الدلائل تشير إلى أن فكرة إطلاق علامة (رمز) لدولة الإمارات جاءت لتساير استراتيجية الدولة للتعريف بمكانة وموقع الإمارات بطريقة مبتكرة وجذابة.

والعلامة وفق التصاميم الخمسة التي لا تختلف في الفكرة ولا في المضمون، يمكن أن تكون إطارا مرجعيا يستدل منه على دولة ناشئة، شقت طريقها بعزيمة قادتها وقناعة مواطنيها، للسير قدما في اتجاه مستقبل مشرق وواعد.

 والإمارات السبع التي يرمز لها هذا الشعار، لا تعرّف نفسها كدولة نفطية لها موقعها الجغرافي المحدد وبنيتها التحتية المميزة وقوانينها، فالإمارات ليست مكانا فحسب، بل هي نسيج سكاني منتظم ومتناغم..

مجتمع ينطلق من ماضٍ عريق، ويمزج بوعي بين التراث والمعاصرة وبين الأصالة والتجديد.. ولهذا كتبت العلامة المميزة للدولة باللغتين العربية والإنجليزية، للتأكيد على استدامة "الوسطية" كنهج وأسلوب حياة يسيطر على العقلية الإماراتية، التي تنبذ العنف وتدين التطرف بجميع أشكاله.. الوسطية التي ترمز لها العلامة، حسبما أرى، تمثل إطارا معرفياً يوازن بين الماضي والمستقبل، لأنها كفكرة تنطلق من الأول وتستشرف آفاق الثاني.

بقي أن أقول إنه إذا كانت ثمة إضافة، فأرى بعد إعلان التصميم الفائز أن يتم إشهار العلامة والترويج لها إعلاميا، وحتى فنياً بوضع مقطوعة موسيقية خاصة بها، فضلا عن نشرها على أوسع نطاق، بدءاً من رياض الأطفال وصولاً إلى بعثاتنا الدبلوماسية.