جميل هذا الحضور اللافت لعلماء المسلمين ومشايخهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وجميل انفتاحهم على وسائل الإعلام الجديد للوصول إلى أكبر عدد من الناس، لكن الأجمل أن يرافق هذا الحضور انفتاح آخر على العصر وطبيعة هذه الوسائل التي يشارك فيها ملايين الناس، وتصل إلى الملايين من مختلفي المعارف والمشارب والثقافات والعقول والمذاهب والأيديولوجيات والأهداف والغايات.
فالكلمة التي يلقيها خطيب على منبر جامع تصل إلى عشرات وربما مئات الأشخاص، والكلمة التي ينشرها عالم في كتاب أو بحث تصل إلى مئات وربما آلاف الأشخاص، معظمهم من طلبة العلم الشرعي أو المهتمين بالعلوم الشرعية والساعين إلى التفقه في الدين، لكن الكلمة التي يتم إطلاقها عبر حساب في "تويتر" أو تكتب على جدار في "فيسبوك"، تصل إلى ملايين الناس، يتفق كثيرون مع من أطلقها، ويختلف معه كثيرون، لكنّ قليلا ممن يختلفون معه يحرصون على استخدام عبارات تتفق مع أصول الاختلاف، بينما يلجأ كثير منهم إلى استخدام عبارات تحط من شأن العلماء والمشايخ، ولا تتوافق مع المكانة التي تليق بهم، فيضطر البعض منهم إلى الرد بمثلها أو أسوأ منها.
منذ أيام قامت الدنيا ولم تقعد على الدكتور سعد الدريهم، أستاذ الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وإمام وخطيب أحد جوامع حي "الشفا" في مدينة الرياض في المملكة العربية السعودية، وذلك بسبب تغريدات أطلقها على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، هاجم فيها أحد المشايخ السعوديين المعروفين، ومفتي إحدى الدول الخليجية، وأتباع مذهب مواطني تلك الدولة، وقال إنهم من الفرق الثلاث والسبعين التي شهد لها النبي بالنار، وأضاف أن "الفرقة الناجية هي ما كان عليه علماؤنا وأهل نجد ومن تبعهم"، وقال في تغريدة أخرى "إن عامّياً في نجد خير من عالم في مصر".
هذه التغريدات أثارت عاصفة من الردود تراوحت بين الغضب والسخرية والتهكم، وجعلت المغردين ينشئون "هاشتاغ" للتعليق على تغريدات الدكتور الدريهم، أطلقوا عليه اسم "الفرقة الناجية"، وحظي بمشاركة واسعة وصلت إلى عشرات الآلاف من التغريدات التي تميز الكثير منها بالطرافة، حيث تندر بعضهم على مقولته بطلب الشفاعة لسكان بقية مناطق المملكة، بينما غلب على بعضها الغضب والاستهجان، فكتب الدكتور محسن العواجي على صفحته في "تويتر" قائلا: "يصل الغرور بالبعض أن يعتقد بأنه الحق وغيره الباطل! وأن داره دار إيمان وغيره دار كفر! أخبروه بأن الهند (الكافرة) فيها من المسلمين 6 أضعاف المملكة".
موجات الهجوم التي تعرض لها الدكتور الدريهم، دفعت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إلى التبرؤ من تغريداته، فما كان من الدكتور الدريهم إلا أن وصف جامعته بأنها غبية إلى حد الثمالة. كما دفعت هذه التغريدات عددا من الكاتبات والكتاب السعوديين إلى تناولها بالنقد، والرد عليها بأسلوب لم يخل من السخرية.
هذه الهجمة على الدكتور الدريهم دفعته إلى التبرير قائلا: "كان خطأ غير مقصود، والمراد الاستشهاد لا الحصر، لكن طار بها الركبان من صغار العقول، فأوغروا بها صدور العقلاء"، فما كان من منتقديه إلا أن واصلوا هجومهم عليه لأنه وصفهم بصغار العقول، ثم أصدر بعد ذلك بيانا بدأه بالقول: "يفتقد القراء في عصر ثورة الاتصال والتواصل مهارات قراءة النص والتعامل مع كلماته"، الأمر الذي جعل البعض يصفه بالتعالي والتكبر، وادعاء الفهم دون الآخرين.
وقبل أن تهدأ عاصفة تغريدات الدكتور الدريهم، خرج الشيخ سليمان الدويش على جمهور "تويتر" بتغريدة هدد فيها الشيعة قائلا: "والله لو أطلق عليكم حثالة أهل السنة لما بقي فيكم عين تطرف..."، وعرّف الشيخ الدويش "حثالة أهل السنة" بأنهم "من ليس ظاهره الاستقامة ومنشغل بالمعاصي والترهات، ولكنه يحمل حمية دينية".
وما أن انتشرت هذه التغريدة حتى تحولت "حثالة أهل السنة" إلى "هاشتاغ" جديد، أفرغ فيه المغردون ما في جعبتهم من تعليقات ساخرة ورافضة لهذا الوصف الذي قصد به غير الملتحين، أو الذين ظاهرهم غير متدين ولكن لديهم حمية على دينهم، وربطوا بينه وبين هاشتاغ "الفرقة الناجية"، الأمر الذي دفع الشيخ الدويش هو الآخر إلى إصدار بيان من ثماني نقاط، بدأه بتفسير لفظ "حثالة" في اللغة قائلا إن "من معانيه الرديء من الشيء".
وأنهاه بأن البعض ممن لا يشك في محبته ألح عليه ونصحه بالاعتذار، وذلك خوفا من أن يستغل كلامه أو يفقد بعض متابعيه، لكنه لا يرى في ما قاله ما يوجب ذلك، بل يرى أن ركوب مثل ذلك من الضعف... كما أن مراعاة هبّات الجماهير، ومحاولة عدم مواجهتهم بما تعتقد أنه حق، يجعلهم يرون أن الحق بالغلبة لا بالحجة!
عفا الله عنك يا شيخ.. صحيح أن الحق بالحجة لا الغلبة، لكنّ تأليف القلوب واستمالتها مقدم على العناد والمكابرة، وقد هدى الله رسوله الكريم إلى أن يعامل أصحابه باللين، بعد أن عصوا أمره في غزوة أحد، فترك الرماة أماكنهم وآثروا الاستحواذ على الغنائم، حتى أوشك المسلمون أن ينهزموا، وكان بإمكان الرسول أن يعاقبهم على صنيعهم هذا، لكنه لم يفعل ذلك، فأنزل المولى تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
فهل يكون اللين بعد هذا ضعفا؟ وهل يكون العناد هو الوسيلة للوصول إلى الحق؟!