بعد ما استبشرنا خيرا بما شهدته مصر من انتصار لإرادة التغيير بتحالف الجيش والشعب في ثورة يناير السلمية، ومن وضع خارطة طريق في اتجاه إعادة صياغة مؤسسات الدولة، ومن خطوات ناجحة على طريق التحول الديمقراطي عبر إجراء انتخابات برلمانية حرة أنتجت مجلسا للشعب ومجلسا للشورى، وجمعية تأسيسية لصياغة مشروع الدستور.
وانتخابات رئاسية تعددية حقيقية قدمت أول رئيس مدني، فاجأت شعب مصر أزمات مستجدة أكثرها باعثا على الدهشة والقلق، ما فاجأ به الرئيس الدكتور محمد مرسي الجميع بقراره المخالف للدستور وللقانون لأحكام القضاء رغم قسمه ثلاثا باحترام الدستور والقانون وأحكام القضاء!
لكن المحكمة الدستورية العليا في مصر بحكمها القضائي بوقف تنفيذ القرار الرئاسي بإعادة إحياء " مجلس الشعب " الفاقد للمشروعية والمقضي ببطلانه لبطلان قانون الانتخابات البرلمانية، حسمت الجدل القانوني والسياسي الساخن الذي تفجر بحدة في أعقاب القرار الجمهوري بإلغاء القرار التنفيذي لرئيس المجلس العسكري الأعلى باعتبار ذلك البرلمان منعدما بناء على حكم المحكمة الدستورية العليا، بما أثار الانقسام والجدل ليس بين القانونيين والسياسيين فقط، بل بين كل تجمعات الشعب المصري في شكل استقطاب حاد بين مؤيد ومعارض.
وعادت السلطة القضائية لتكون كما كانت دائما رمانة الميزان بين السلطتين التنفيذية التي يمثلها الرئيس الدكتور محمد مرسي والتشريعية التي يمثلها مؤقتا المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري الأعلى، في الخلاف العلني والمكتوم بينهما حول شكل السلطة الانتقالية وصلاحيات الطرفين.
وعاد القضاء المصري ليتصدر المشهد السياسي، وبدا هو من يحكم مسار الأحداث الآن ويضبط إيقاع خطواتها وينزع فتيل انفجارها، حين يلزم الجميع بقوة القانون بالسير في سكة السلامة بعيدا عن قانون القوة في سكة الندامة.
لقد كانت السلطة القضائية مع القوات المسلحة حاضنة للإرادة الشعبية وضامنة لتحقيق التحول الديمقراطي منذ يناير من العام الماضي، وكان شيوخ القضاة في مصر هم من أشرفوا على الانتخابات البرلمانية والرئاسية الحرة والنظيفة التي حمتها القوات المسلحة.
فكان رئيس محكمة الاستئناف هو رئيس اللجنة القضائية للانتخابات البرلمانية التي انتجت البرلمان المصري وكان رئيس المحكمة الدستورية العليا هو رئيس اللجنة القضائية التي قدمت الرئيس المصري، وكانت المحكمة الدستورية هي التي أقسم الرئيس الجديد أمام قضاتها الكبار اليمين القانونية إعلانا بتنصيبه.
وبينما لا نستطيع أن نخفي عن أنفسنا أن مصر الآن تواجه أزمة سياسية و قانونية كبيرة حول ملفات شائكة كثيرة تنذر بتداعيات خطيرة ما لم يدرك جميع الأطراف السياسية والشعبية أن المخرج من كل الأزمات هو في الاحتكام إلى الدستور وقوة القانون في ساحات القضاء.
وليس الاحتكام إلى قانون القوة في الميادين والشوارع. يتأكد لنا في كل يوم أن في مصر قضاء، وأن قضاء مصر بسيف العدالة وبقوة القانون هو في النهاية الحكم الموثوق فيه سواء من المواطنين أو من الحاكمين، وأن أحكامه العادلة هي المظلة الآمنة والمرجعية الحاسمة للجميع.
وسط الأزمة بدا أكثر من سؤال حائر يتردد على أكثر من لسان فيما يجري في مصر الآن من مرافعات قانونية وأحكام قضائية ومن سجالات سياسية وقرارات رئاسية، لقد بدت المواجهة السياسية والقانونية بأشكالها وبأطرافها المختلفة، سواء بين التيارات السياسية الدينية والتيارات المدنية حول صياغة الدستور، أو بين الإخوان المسلمين والمجلس العسكري تطرح السؤال تلو السؤال، من الذي يحكم مصر.. قانون القوة أم قوة القانون ؟ وتحت أي سيادة، سيادة الرئيس ..أم سيادة الدستور؟.
كانت تلك من بين أسئلة أخرى كبيرة طرحت وتطرح نفسها الآن على المشهد المصري الراهن في ظل مسلسل الأزمات التي تفجرت والانجازات التي تحققت على مدى العام ونصف الماضي، فتوازت خطواتها وتقاطعت مساراتها مع مسار الحالة الثورية التي تتقاطع أهدافها مع الأهداف الشعبية و الوطنية المصرية، لتبقى الحقيقة، أن مسلسل الانجازات التي حدثت في مصر لم يمنع مسلسل الأزمات الموازية، والعكس صحيح.
فقد تفجرت سلسلة من الأزمات المبررة والمقررة صاحبت مسار الثورة المصرية بفعل تداخل عوامل داخلية وخارجية، لكن بتغلب الروح الوطنية وقوة الدفع الثورية لدى القوى الشعبية والسياسية، وبصبر ووعي الإدارة العسكرية للفترة الانتقالية بما هو مبرر داخليا ومشروع وماهو مقرر خارجيا وغير مشروع، أمكن برغم الظروف بالغة الصعوبة تحقيق العديد من الانجازات في اتجاه أهداف الثورة، والسير خطوات في الطريق من الثورة إلى الدولة.
والدولة الديمقراطية الدستورية بسلطتها المدنية الحديثة التي يريدها الشعب تقوم على الفصل والتوازن والتعاون بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وليس بتغول سلطة على أخرى ولا على الصراع بين السلطات، وعلى المشاركة الشعبية في صياغة الحاضر والمستقبل بصنع القوانين والقرارات الوطنية بكل الحرية والمسؤولية، ولا حرية مع الفوضى بقانون القوة، ولا مسؤولية إلا بسيادة وقوة القانون، لكي يظل القانون دائما أقوى من كل مراكز القوة وأعلى من كل إرادات الساسة.
في النهاية، فإن " دولة الحق والقانون والعدل وتكافؤ الفرص والحقوق والواجبات والحريات والمسؤوليات " هي الحل الآمن لكل الأزمات النابعة من أزمة شرعية أو أزمة ثقة، ومن أن هناك بعض الساسة تنقصهم الحكمة، وبعض الزعماء تنقصهم السياسة، وأن الخروج من تلك الأزمة لا يتحقق إلا باحترام الإرادة الشعبية عبر صناديق الانتخابات، وبالالتزام بالقواعد الدستورية والقانونية وبالأحكام القضائية، وبالاتجاه إلى العمل والانتاج، بعيدا عن سكة الندامة وقريبا من سكة السلامة.