حتى وقت قريب، اتـُهم رئيس المحكمة العليا الأميركية جون روبرتس، بتزعمه لعصابة قضائية محافظة تسعى لتدمير رئاسة باراك أوباما، من خلال إلغاء الاستيلاء الفيدرالي على الرعاية الصحية. ولكن مع تأكيده غير المتوقع للقانون، أشيد بروبرتس فجأة باعتباره إيرل وارن الجديد.

وهو محافظ "متطور" أدرك أخيرا منطق الحكومة الكبيرة الليبرالية. ومن بين النخب الأميركية، بمن في ذلك الصحافيون والنقاد والأكاديميون، يعتبر قضاة المحكمة العليا الليبراليون "منفتحين"، حتى عندما يتوقع منهم أن يصوتوا بلا تفكير بطريقة ليبرالية مطلقة.

ومن جهة أخرى، فإن القاضي المحافظ يعتبر رجعيا أو حزبيا بشكل صارخ، عندما يلتزم على نحو مماثل ومتوقع بعقيدته الخاصة، وهي الضغوط التي يحتمل أنها أثرت على روبرتس، في حال صحت التقارير التي أفادت بحدوث تحول في تصويته في آخر لحظة.

فليس من المفاجئ، إذن، أن مناقشة سريالية تلت الحكم الأخير الصادر عن المحكمة الأميركية العليا، إذ لم تتوقع مؤسستنا القانونية أن يحيد القضاة الليبراليون الأربعة قيد أنملة في تأكيدهم لقانون الرعاية الصحية، حتى في الوقت الذي أملت أن يظهر محافظ أو اثنان طابعا قضائيا من خلال الانضمام إلى الليبراليين.

ويريد الديمقراطيون من المحاكم الاتحادية الناشطة أن تلغي، في مسائل الإجهاض والتمييز الإيجابي والهجرة غير الشرعية، مقترحات الاقتراع وأصوات الأغلبية في المجالس التشريعية التي يرعاها ناخبون يفترض أنهم غير ليبراليين وغير مثقفين. ولكن في ما يتعلق بالرعاية الصحية، فإن الليبراليين، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي، جادلوا بأن محكمة عليا ناشطة بصورة خاطئة ،لا يجب أن تجرؤ على العبث بتغيير أحدثه كونغرس منتخب.

وكان الرئيس أوباما مشوشا في تعليقه على المحكمة العليا. فقبل حكم روبرتس، عندما كانت الغالبية تراهن على أن خطة الرعاية الصحية التي اقترحها الرئيس ستلغى، لاسيما في ضوء الأداء الضعيف الذي قدمه المحامي العام دونالد فيريلي في تقديم حجة الحكومة أمام المحكمة، غضب أوباما من فكرة نزعة قضائية من هذا النوع.

وبطريقة لم تعكس دراية كبيرة بالدستور أو بتاريخ أميركا، قال متوعدا: "في نهاية المطاف، إنني واثق بأن المحكمة العليا لن تتخذ ما يمكن أن يمثل خطوة غير مسبوقة واستثنائية، من خلال إلغاء قانون وافقت عليه أغلبية قوية في كونغرس منتخب ديمقراطيا".

وبطبيعة الحال، فإن إلغاء المحكمة العليا لقانون ما، ليس بالأمر الاستثنائي أو غير المسبوق. ولم يحظ مشروع قانون الرئيس بموافقة "أغلبية قوية"، ولكنه مر بالكاد عبر مجلس النواب بسبعة أصوات. والأمر الذي كان "غير مسبوق" هو تهديد الرئيس الأميركي للمحكمة العليا عشية اتخاذ قرار حاسم، وخصوصا في ظل حقيقة أن أوباما كان سيرحب عما قريب بنشاط المحكمة في إلغاء الشق الأكبر من قانون الهجرة في ولاية أريزونا، الذي مر حسب الأصول، ويسعى لتطبيق القوانين الاتحادية.

وفي سبيل تمرير مشروع قانون الرعاية الصحية في المقام الأول، أقسمت إدارة أوباما بأن القانون كان ولاية، ولم يكن زيادة في الضرائب، وهو ما كان من شأنه أن يتناقض مع تعهده خلال حملته الانتخابية، بعدم زيادة الضرائب المفروضة على الطبقة المتوسطة. ومع ذلك، فقد خشي فيريلي من أن الولاية قد تعتبر غير دستورية، فجادل في دوائر المحكمة بأنها كانت ضريبة، مما أكسبه موافقة أغلبية القضاة.

غير أن إدارة أوباما انقلبت بعد ذلك مجددا على فكرة زيادة الضرائب على الطبقة الوسطى، وهي تسمي الآن الولاية/ الضريبة بـ"العقوبة"، معبرة عن امتنانها لحكمة المحكمة، ومنددة بالوسائل التي توصلت المحكمة من خلالها إلى تلك الحكمة.

ووصل المحافظون إلى فقدان ثقتهم بالمحاكم الفيدرالية التي تبطل أغلبيات تشريعية، ولكنهم، هذه المرة، أملوا أن تقوم محكمة روبرتس العليا بإلغاء برنامج "أوباما كير"، عوضا عن السيناريو الأقل ترجيحا الذي يتوقع لرئيس جمهوري وغالبية كونغرسية في مجلسي الشيوخ والنواب، أن يقوموا بذلك في وقت ما في المستقبل. وباختصار، فإنه لا وجود لشيء ثابت كنشاط أو ردع قضائي، وإنما لأحكام قضائية تدعم أجندة سياسية مفضلة، ويستهزأ بها بعد ذلك باعتبارها ناشطة، أو يشاد بها باعتبارها مستنيرة من قبل الأحزاب المعنية.

وأحد أهم الأسباب وراء جميع تلك المنافقات والمفارقات، هو أن قانون الرعاية الصحية، الذي يتألف من 2409 صفحات، يعاني من الفوضى. فحتى الذين اسسوه لا يستطيعون الاتفاق على ما إذا كان ينطوي على ولاية أو ضريبة أو عقوبة. والجمهور لا يحبه أو يرغب فيه، على الأقل في ما يتعلق بالأجزاء التي يتعين عليه دفع ثمنها قريبا.

وقد تم تمرير هذا القانون بناء على تصويت حزبي بحت، وبوسائل مشبوهة (أتذكرون "رشوة كورنهسكر"؟)، والمئات من أصدقاء الساسة الديمقراطيين النافذين، تمكنوا بالفعل من إعفاء شركاتهم مما يروج له باعتباره تغييرا رائعا. ورغم أن أميركا توشك على الإفلاس ومدينة بما يقرب من 16 تريليون دولار، فإنها تستعد الآن لإطلاق أكبر برنامج استحقاق اجتماعي في غضون نصف قرن.

وليست هذه الفوضى سوى البداية، بما أننا لن نشعر بالتأثير الكامل (أو التكلفة الكاملة) لهذا القانون قبل مرور عامين آخرين. ولكن ينبغي لنا أن نفترض أن ما يبدأ على هذا النحو السيئ، لابد أن ينتهي على نحو أسوأ.