قليلة هي الأحداث التي تصنع التاريخ، فقد مرت حقب طويلة على سطح هذا الكوكب لم يشهد فيها الإنسان حدثا واحدا يرقى إلى مستوى ما يسمى "الحدث التاريخي" خلال فترة عمره. إلا أن عصرنا الحالي الذي يتسم بسرعة هائلة في التقدم في جميع ميادين الحياة، قد أكرمنا في حقبة عمرنا القصيرة لنشهد أكثر من حدث تاريخي.
فقد شهدنا إطلالة العصر النووي، وغزو الفضاء الخارجي، والكشف عن شفرة الحامض النووي "الجينوم"، ونرافق الآن الاختراقات الهائلة في عالم الاتصالات وعالم تكنولوجيا المعلومات. وها نحن نشهد حدثا آخر على درجة كبيرة من الأهمية، يتوج مسيرة طويلة للإنسان لإماطة اللثام عن الغموض الذي يحيط بالكون، والتعرف على أسراره والكشف عن آليات نشوئه.
المكان هو مركز الأبحاث النووية الأوروبي "سيرن"، حيث موقع مصادم الهادرونات الكبير تحت الأرض في مدينة جنيف السويسرية على الحدود مع فرنسا، الزمن هو الرابع من يوليو 2012.. في هذا المكان والزمان، كان العالم على موعد مع أحد أهم الأحداث التي نشهدها في عصرنا الحالي. فقد أعلن عن اكتشاف "بوزون هيغز" بشكل مؤكد إلى درجة كبيرة، بعد دراسات تجريبية في هذا المركز استمرت عقودا عديدة.
أجواء اللقاء اتسمت بالحماس والفرحة التي طغت على وجوه العلماء، فلم تتمكن الرصانة التقليدية التي هي من سمات الأكاديميين أن تخفيها، فحين وصل عالم الفيزياء الأسكتلندي والأستاذ السابق في جامعة أدنبرة "بيتر هيغز"، الذي تجاوز الثمانين من عمره، إلى مكان اللقاء علا تصفيق الحاضرين في أجواء اختلطت فيها مختلف أنواع الانفعالات، فهذا العالم هو من تنبأ، على أسس نظرية، عام 1964 بوجود جسيم كهذا. فلمَ يكتسب هذا الحدث الأهمية التي أضفيت عليه؟ وما الذي يعنيه؟ وما هي تداعياته؟
رغم أننا قد ورثنا العديد من الصور والأفكار والنماذج التي تتناول السر الكبير الذي يحيط بالكون، ولادته وصيرورته ومآله، إلا أن للعلم منهجه الخاص في التعرف على الكون، بعيداً عن التأثر بموروثات الثقافة والتراث، وله أسلوب موضوعي في البحث عن الحقائق التي تتسم بالتناسق، وتستند إلى بنية رياضية نظرية تأخذ بالعدد الأقل من المُسَلمات.
وضع العلماء نموذجا خاصا بهم عن نشأة الكون، ليس على أسس التأمل البحت، بل بعد أن تعرفوا على حقائق كثيرة تتعلق بالعالم الصغير جدا؛ عالم الذرة والنواة الذرية والجسيمات الأساسية التي تتكون منها المادة، وعلى مستوى الكبير جدا؛ الكون بما يحويه من كواكب ونجوم ومجرات وعناقيد المجرات، وبعد أن تعرفوا على القوى الأساسية في الطبيعة التي تحكم سلوكيات المادة، وعلى عدد من الثوابت الكونية.. هذا النموذج يحمل مسمى "نموذج الانفجار الكبير".
في هذا النموذج القياسي للكون، هناك ضرورة لوجود "جسيم هيغز" في الأجزاء الصغيرة جدا جدا، من الثانية الأولى للانفجار الكبير الذي ولد فيه الكون. فلأجل أن تتكون ماهيات مادية لها كتل سكونية لبعض أجزائه ولا تبقى مجرد إشعاعات تسير بسرعة الضوء، كان لا بد للقوة الأساسية التي كانت الوحيدة آنذاك في رأي العلماء، أن تنفصل إلى عدد من القوى في مراحل مختلفة من عمر الكون ليصبح بالهيئة التي نعرفها، وكانت القوة الأولى التي انفصلت هي قوة الجاذبية.
ومع انفصال قوة الجاذبية أصبح لبعض الجسيمات الأساسية التي تكونت، مثل الإلكترونات والكواركات، كتل، وأصبحت بذلك تسير بسرعات أقل من سرعة الضوء الذي ليست له كتلة سكونية. في هذا السياق افترض "بيتر هيغز" عام 1964، مولد الجسيم الذي عرف باسمه، لأن المجال الذي يحيط بهذا الجسيم والذي يتخلل الفضاء بأكمله، يساعد في إكساب بقية الجسيمات كتلها حين تتفاعل معه.
هذا الجسيم الذي أطلق عليه مسمى "جُسيم الرب"، هو إحدى الحلقات المفقودة في معادلة الكون، في النموذج الذي وضعه الفيزيائيون، والتحقق من وجوده يردم ثغرة معرفية من جهة، ويعزز الثقة بالفرضيات التي بُني عليها نموذج الانفجار الكبير، من جهة أخرى، مما يشكل زخما قويا للتوجه نحو المزيد من التعرف على أسرار الكون.
حكاية هذا الجسيم، هي إحدى حكايات الإنجازات العلمية الكبيرة التي حققها الإنسان، البحث عن هذا الجسيم منذ عام 1980 هو بحث عن حدث جرى قبل ما يقرب من 14 مليار سنة. فسعي علماء الفيزياء للتعرف على ماضي الكون، مشابه لسعي علماء الآثار للتعرف على تاريخ الإنسان ونشأة الحضارات، إلا أن لكل طرائقه الخاصة.
فالآثاريون يجدون أمامهم مخلفات الماضي على هيئات مختلفة، فيقومون بتحليلها لمعرفة أعمارها وإخضاع ما تنطوي عليه العلامات والكتابات التي عليها، للدراسة للتعرف على دلالاتها المعرفية والثقافية والفكرية. أما علماء الفيزياء فلا يجدون أمامهم صورا قديمة للكون، بل عليهم صنع هذه الصور عبر عمليات باهظة الكلفة وشديدة التعقيد، يجري فيها تسريع بعض الجسيمات الأساسية إلى سرعات تقترب من سرعة الضوء، في معجِّلات الطاقة العالية، لخلق إحدى الحالات التي مر بها الكون.
وكلما تمكن العلماء من تسريع الجسيمات إلى طاقة أكبر، أي إيصالها إلى درجة حرارة أعلى، كلما اقتربوا من لحظة الانفجار الكبير. فالتعرف على بوزون هيغز، هو خلق للحظة الزمنية من عمر الكون التي ولد فيها هذا الجسيم، وقد تطلب تحقيق ذلك إجراء بعض التعديلات في مصادم الهادرونات الكبير.
حيث سُرِعت حزم من البروتونات في اتجاهين متعاكسين، في حلقة دائرية مفرغة من الهواء يبلغ محيطها 27 كيلومترا، إلى سرعات تقترب من سرعة الضوء، للتصادم رأسياً مولدة جسيمات جديدة كناتج لشظايا التصادم، كان أحدها بوزون هيغز.
الإنجازات العلمية الكبيرة تشكل عادة منعطفات مهمة في مسيرة الإنسان نحو المستقبل، وهي فرص تسعى الدول والمؤسسات الكبيرة لأن يكون لها دور في تعزيزها عبر دعمها على مختلف المستويات، إذ لا يوجد استثمار يعادل في أهميته الاستثمار في ميدان العلوم والمعارف، ففيه هيبة ووقار وتميز لا يضاهيه أي تميز آخر.