قد تكون "الدهشة الفكرية" واحدة من أبرز الظواهر التي نجمت عن احتدامات الحالة العربية الراهنة، ولعل الإضاءة على جانبٍ منها سيأخذنا إلى منطقة معرفية شديدة الحساسية والتعقيد. عنينا بها "دهشة النُّخب العربية" وإعجابها بسحر سياسات ما بعد الحداثة الغربية، حيال التحولات الجارية.
كثيرون من مثقفي الميادين العربية باتوا يأنسون إلى صفة خلعوها على أنفسهم، وهي نسبتهم إلى قيم حداثة "أفكار ما بعد". وما ذاك إلاّ لأن هذا الانتساب يمنحهم الإحساس بالتحرّر من النمطية الإيديولوجية، التي عايشوها ردحاً طويلاً من أعمارهم.
غالب هؤلاء مثقفون يساريون، وجدوا في منفسحات ما بعد الحداثة سبيلاً للانعتاق من قهرية "السرديات الكبرى"، المتمثلة بالإيديولوجيات الماركسية والقومية والاشتراكية والديمقراطية، على مختلف ألوانها التقليدية والمستحدثة.
ما كاد هؤلاء يقطعون مسافة يسيرة لمغادرة تلك السرديات أو النأي بأنفسهم عن أدبياتها، حتى وقعوا في الأسر المعرفي كرّة ثانية. فـ"حداثة الما بعد" التي لم تعرف تأصيلاً محدداً وواضحاً على الصعيد النظري، ستجد في المجال السياسي منطقة الاستقطاب الأكثر حرارة بالنسبة إلى النخب العربية المشار إليها.
ذلك سيؤكد أن مشكلة ما بعد الحداثة في فضاء الفكر العربي، هي مشكلة سياسية بامتياز. فلو شئت أن تتبيّن صفات ومزايا المثقف "الما بعد حداثي"، بالمعنى الذي شاع مع الزحف المدوي لحركة العولمة، فلسوف تتبدّى لك حصراً في الميدان السياسي.
ولما كانت مخارج ما بعد الحداثة قد انبسطت على واحدية القيم النيو ليبرالية وحصريتها، فقد كان لها أن تظهر في المجال السياسي على نشأة الهيمنة وإعادة تشكيل العالم، تبعاً لغاياتها ومصالحها وقيمها المعرفية.
وأما الديمقراطية فهي في مخارج ما بعد الحداثة العربية، ستقدم النموذج الأكثر حضوراً في فضاء السياسة، إذ عن طريقها ستنشأ لدى النخب العربية النيو ليبرالية، قناعات هي أدنى تشبيهاً إلى يقينيات "اللاهوت الديني"، حيث يجري النظر إلى الديمقراطية عند هؤلاء بوصفها شريعة سياسية ينبغي الأخذ بناصيتها، ولو تحصّل ذلك من طريق الغزو الخارجي أو الفتن الأهلية الداخلية.
ولما كانت عوالم ما بعد الحداثة غير ثابتة ومحكومة بالحراك الدائم، وقائمة على مبدأ تفكيك اليقينيات الفكرية والايديولوجية، وزلزلة الاجماع السياسي الوطني... فسيجد من يعيش هذه العوالم حجته في ما آلت إليه أحوال عالم نهاية القرن العشرين من فصام وشتات ولا يقين.
المهم بالنسبة إلى هؤلاء أن عالم ما بعد الحداثة، وإن كان يطوي نصاً إمبريالياً ثقيل الحمل، فإنه بالأصل - وهذا هو المهم بالنسبة إليهم- عالم مفتوح ومتعدد يسمح بتعايش الأضداد، ولو تحت رعاية دول ومجتمعات منزوعة السيادة.
وستكشف التحولات العربية عن سرعة في ديناميات الاستقطاب، لم يعد معها الكلام على الحياد أمراً منطقياً. فالتحيّز صار سيد البيئات الثقافية والفكرية على اختلاف اجتهاداتها وأهوائها الإيديولوجية؛ بل ربما لم تعرف الاحتدامات المجتمعية العربية من قبل مثل هذا النوع من التحيزات، التي تعكس استقطاباً شديد التباين والاضطراب.
وبقطع النظر عن المناحي والاتجاهات التي سلكها مسار "الاستقطاب المتضارب"، فقد ثبت أن النخب العربية بألوانها كافة، قد غادرت حالة الكسل التي ضلّلتها لفترة طويلة. لقد تأكدت الأطروحة التي تقول إن من المحال على المثقف أن يكون حيادياً، بل إنه حتى في قراءته للظواهر والأحداث، ولو من قبيل التوصيف، لا يفارق معاييره وتصوّراته الخاصة.
ولنا في التحيز الذي يتظاهر على نحو فريد ومفارق في بيئات "ما بعد الحداثة العربية"، ما يستدل به على ما ذهبنا إلى وصفه بـ"الاستقطاب المتضارب". تمثيلاً على ذلك، رأينا كيف يُنظر إلى ما يحدث من تحولات، تارة بوصف كونه حجّة على الفساد وسوء توزيع الثروة الوطنية، وطوراً على أنّه انفعال سلبي افترضته تراكمات الاستبداد السياسي.
وأنّى كان الوضع، فإن حصيلة "الاستقطاب المتضارب"، سوف تفضي إلى تحيّزات ايديولوجية لا ريب فيها. ولا يستثنى من هذا الحكم من أنكر على قيادة الشارع محمولها الايديولوجي، ذاك أن إنكار خلاء الساحات من المسبقات الايديولوجية، هو عينه حالة ايديولوجية تترجم أهواء المنكرين وغاياتهم.
فالإيديولوجي يفسّر كل حدث، مهما كان بسيطاً أو محدوداً، تبعاً لمعاييره الذاتية، وبما يوافق مزاج وهوى أتباعه، بصرف النظر عن عقلانية هذا التفسير أو صحته المنطقية. وقد يكون التلفيق الإعلامي وتشكيل حرس هائل من الأكاذيب لتغذية هدف معيّن، من أكثر ما يميّز صُوَر التحيّز الإيديولوجي في الميادين العربية.
عندما تبدل العالم، لينعقد على نصاب العولمة قبل نحو عشرين سنة، كان كل شيء يجري تحت ذريعة نهاية أزمنة الإيديولوجيا. كان يقال يومها إن الدنيا صارت واحدة، ولا حاجة بعدئذٍ إلى إبراز الهويات وتشكيل العقائد السياسية.
لكن بعد قليل من السنوات، سيظهر أن "دراما" الإنهاء - التي أخرجها باتقان الجهاز الفكري لليبرالية الجديدة - سرعان ما ذوت تحت وطأة الإنشاء الإيديولوجي المستأنف.
في ذلك الوقت، لم يقصد الذين تولوا تظهير فلسفة النهايات، سوى تعميق الصدع الذي حلّ كإعصار على الهويات، والولاءات، وأنماط الأفكار. يومها أيضا دعا بعض الذين أُخذوا بأوهام النهايات من مثقّفي العالمين العربي والإسلامي، إلى قطع الصّلة بين الثقافة والسياسة.
وحُجّتهم، أن الوصل بينهما سيفضي إلى استئناف الاستبداد بألوانه المختلفة. الذي يحدث اليوم سيأتينا بمعايير نظر جديدة، إذ مع ما نسميه "الجيولوجيا السياسية العربية"، سوف ينشأ زمن آخر تنكفئ معه أوهامٌ وفَرَضياتٌ وأنساقٌ شتى.
ومن المنطقي أن نقرأ لغة لم نألفها منذ الصعود المدوّي للفكر النيو ليبرالي في ختام القرن العشرين، إذ من مفارقات هذه اللغة أنها بقدر ما تكتسي طبائع الإيديولوجيات المستعادة، بقدرٍ ما تظهر قولاً سياسياً وثقافياً عابراً للأطر الإيديولوجية.
وهكذا لم يلبث الفاعلون -حين ينفصلون عن الخطبة التقليدية التي اعتادت عليها التيارات القومية والماركسية والدينية زمناً طويلاً- حتى يرجعوا إلى طراز جديد من التحيّز ولو برداء ليبرالي هذه المرة.
لم تكن صورة الشارع العربي وهو يفصح عن نفسه، بالاحتجاج السلمي حينا والعنيف حينا آخر، سوى ترجمة لطور مستأنف من أطوار الحكاية الإيديولوجية.
ولكي لا تلتبس ترجمة الصورة المشار إليها على من أَلِف الأنماط المشهورة لظهورات الفكر الإيديولوجي في القرن العشرين، تجدر الاشارة إلى أن من سمات الطور المستأنف لهذه الحكاية أنه طور عابر للإيديولوجيا وهو متّصل بها وعائد إليها في الآن عينه.