لم تكن مجرد «زلة لسان» كما يقول بعض أنصاره، بل كان الأمر مقصوداً والرسالة واضحة، حين وقف الرئيس المصري محمد مرسي في ميدان التحرير يلقي أول خطاب له، فيدعو للمصالحة الوطنية وفي نفس الوقت يطلق عباراته الشهيرة عن الستينيات «وما أدراك ما الستينيات» في إشارة واضحة إلى أن معركة الإخوان المسلمين مع ثورة يوليو لم تنته، وأن محاولتهم للثأر من عبد الناصر لن تتوقف.

لم تكن زلة لسان.. فالسياق الذي قيلت فيه العبارة الشهيرة، يشير إلى أن الرئيس مرسي ينطلق من رؤية تقول إن كفاح المصريين من أجل الحرية لم يتوقف من العشرينيات، بل امتد بعد ذلك حتى الستينيات «وما أدراك!!» وبالطبع حتى تكلل أخيراً بوصوله إلى رئاسة مصر.

أي أن الرجل يلخص تاريخ الحركة الوطنية المصرية في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين التي بدأت في العشرينياتّ! ربما كانت الإشكالية هنا أن الرئيس المصري قدم «الرؤية» التي نشأ عليها في الجماعة، ولم يتحدث كرئيس لكل المصريين.

ومن هنا تغافل عن كفاح ممتد عبر مئات السنين من أجل الحرية، خاصة شعب مصر في العصر الحديث ضد الحملة الفرنسية وضد الاحتلال التركي وضد الاستعمار البريطاني، وتجاهل ثورة عرابي وثورة يوليو، ونضال أجيال من المفكرين ودماء قوافل الشهداء التي سقطت على الطريق الطويل، ليبدأ التاريخ عنده في العشرينيات «مع نشأة الجماعة».

ولتكون إشارته إلى الستينيات «وما أدراك» إعلاناً بأن المعركة مستمرة مع يوليو وما يمثله عبد الناصر والثأر مازال مطلوباً! عندما كتبت في اليوم التالي منتقداً حديث «وما أدراك!!» من الرئيس المصري اتصل بي عدد كبير من شباب الجماعة أو المناصرين لها يبدون أسفهم لما وقع، يرجون ألا تسير الأمور إلى صدام.

أعرف العديد من هؤلاء الشباب الذين خرجوا ليشاركوا في ثورة يناير منذ البداية معارضين القرارات الرسمية للقيادة، والذين يخوضون نضالًا داخل الجماعة وخارجها من أجل مد الجسور مع باقي التيارات الوطنية والقومية.

وكراهية الجماعة لفترة الستينيات أمر مفهوم، ومع ذلك فقد كنا نرجو أن يكون الحوار المستمر عبر سنوات من خلال «المؤتمر القومي الإسلامي» وغيره من المؤسسات، قد أثمر خطوات على طريق توحيد الجهد الوطني والقومي في مواجهة التحديات.

هنا، ماذا في الستينيات إلا الكفاح العظيم من أجل بناء مصر كدولة حديثة قوية من أجل تحرير الإرادة العربية ومن أجل استعادة الحقوق المنهوبة، من أجل إحياء القومية العربية؟!

في الستينيات «وما أدراك!» كانت مصر بقيادة عبد الناصر قد استعادت قناة السويس وطرد الاحتلال البريطاني، وبدأت خطة تنمية لمصر اعتبرتها الأمم المتحدة نموذجاً لكل الدول النامية.

في الستينيات «وما أدراك!!» كانت مصر تبني السد العالي وآلاف المصانع، وكان الفلاح قد تحرر عن الإقطاع واستعاد آدميته، وكان العمال ينشرون العمران في كل مكان، وكانت الطبقة المتوسطة تقود النهضة وتنشر الفكر المستنير، وكانت العدالة الاجتماعية تداوي حرمان عشرات السنين للغالبية العظمى من المصريين، وكان الدكتور مرسي يخرج من قريته لينال تعليماً راقياً ومجانياً، أتاح له أن يكون واحداً من العلماء المرموقين مثله مثل مئات الألوف من رجال ونساء مصر!!

في الستينيات «وما أدراك!!» كانت مصر تقود أمتها العربية، وترفض التدخل الأجنبي وتمثل حائط صد ضد أطماع الآخرين.. وكانت القاهرة هي مركز حركة تحرر شعوب افريقيا من الاستعمار، وكانت مصر في قيادة حركة عدم الانحياز، وكانت مصر تتحرك في العالم الإسلامي انطلاقاً من الأزهر الشريف الذي تم تطويره ودعمه ليكون الحامي للفكر الإسلامي المعتدل.

في الستينيات «وما أدراك!!» كانت الآمال واسعة، والطموحات كبيرة وكانت المؤامرات أيضاً لا تتوقف لقتل الأمل وإجهاض الطموح القومي، كانت أميركا وإسرائيل تخوضان حرباً بلا هوادة فيها ضد النظام في مصر، وعندما سعى عبد الناصر لرص الصفوف في الداخل وتم الإفراج عن الإخوان المسلمين، كانت المؤامرة الثانية لقلب النظام وقتل عبد الناصر في 1965 بعد المؤامرة الأولى في 1954.

كان الأمل بعد سنوات طويلة من هذا كله، أن نبدأ مرحلة جديدة، ندرك فيها أن الانقلاب على الستينيات قادنا للتراجع والهزيمة، وأن التضحيات التي قدمناها تفرض علينا أن نستعيد الوعي ونمضي في الطريق الصحيح لبناء مصر الجديدة واستعادة دورها ومكانتها.

للأسف الشديد.. يأتي حديث «الستينيات وما أدراك» لينسف الكثير مما قيل عن المصالحة والمشاركة، إنه ليس «زلة لسان»، ولا حتى محاولة للثأر من الماضي فقط.. فالأخطر هو أن يشير إلى رؤية تصر على الانقسام، وعلى الاستمرار في معركة كنا نظن أنها قد حسمت قبل قرن مضى.

فإذا بها تبعث من جديد وكأنها تهدر كفاح عشرات السنين للحركة الوطنية في مصر. إنها الصراع على هوية الدولة الذي بدأ قبل قرنين من مشروع محمد علي واستمر حتى عبدالناصر، إنه الصراع بين الدولة المدنية ببعدها العربي وبانتمائها القومي وبانحيازها للعدالة الاجتماعية وبالتمسك بالاستقلال الوطني والإصرار على تحرير الإرادة العربية مع تصحيح الأخطاء التي وقعت فيها، وفي مقدمتها ما يتعلق بقضية الديمقراطية..

وبين «الدولة الدينية» التي يحاول أنصارها الاستحواذ على السلطة في مصر وخطف الثورات في دول الربيع العربي، والتي تتمتع الآن بالرضا الأميركي وهي في السلطة أو في الطريق إليها، كما كانت تتمتع بها قبل نصف قرن وهي تقاوم مشروع النهضة العربية باعتباره ضد الإسلام!

هذا هو جوهر الصراع الذي يدور، ومع ذلك فكم أرجو أن يراجع الإخوان موقفهم، وأن يعيدوا قراءة التاريخ خاصة تلك الصفحات التي جرت في الستينيات.. وما أدراك!!