النجاحُ أشبه بعود الثقاب، يشتعل مرةً واحدة وتخرج انفعالات الفرح عن عِقالها، ثم ينفضّ السامر وتسكن تلك العاصفة ويصبح الحديث عنه بعدها مملاً للغاية، وسينتظر الكل نجاحاً جديداً بصورة تفوق المرة الأولى، بينما الفشل أقرب الأمور شبهاً بأحجار الدومينو، تتساقط بتوالٍ متسارع حتى يسقط الجميع صرعى لإخفاق قطعةٍ واحدة في الثبات!
إنّه من الطبيعي أن يعقب كلٍ فترة نجاح مرحلة إخفاق أو عدم توازن مؤقت في أحسن الظروف، فالقمّة للأسف لا تتسع للكثيرين وفي عالم الأعمال كما هو في الحياة يكون التنافس على أشدّه كلما تم الاقتراب من تلك القمّة، إذ يسعى الجميع لزحزحة المتصدّر واسقاط صاحب المركز الأول حتى يتسنّم القمّة شخصٌ أو كيانٌ آخر، ومن المتعارف عليه أن يمر الناجح بفترة رضا عن الذات وقناعة بالتفوق الشخصي عن الآخرين وهو المزلق الكبير الذي يُسارع بالوصول لنقطة التصدّع واختلال التوازن ثم السقوط المدوّي.
فبعد أن كانت شركة Sony اليابانية رائدة لصناعة الأجهزة المنزلية، ها هي تعلن عن انحسار حصتها السوقية وتتعرض لخسائر مأساوية بلغت 6.36 مليارات دولار للسنة المالية الحالية مما عجّل بإقالة رئيسها التنفيذي (البريطاني) السير هوارد سترينجر واسناد المهمة إلى كازو هيراي، أمّا مصرف ليمان براذر أيقونة القطاع المالي الأميركي والذي كان رمزاً وطنياً وعنواناً لتفوق الاقتصاد الأميركي فقد وصل به سوء التخطيط والفساد الإداري إلى حد أن يُعلن إفلاسه بخسائر بلغت تسعة وعشرين مليار دولار، الأمر الذي كان شرارة اندلاع جحيم الأزمة المالية العالمية!
عندما يتسرّب الإحساس بالتفوّق (الفطري) على الآخرين تسقط تلك الكيانات لأنها فقدت طوعاً وسيلة ضمان النجاح الأهم ألا وهي الإحساس بالخطر الداهم، ففقدان ذلك (الذُعر) الايجابي هو ما يجعل أيّ مؤسسةٍ ناجحة مكشوفة لهجمات الآخرين وهشّة أمام ضرباتهم، فالبقاء على القمّة يستلزم جهداً أكبر من الوصول لها لأنّ الطامحين كُثُر .
والكل يريد أن ينال شرف إسقاط البطل أو انهاكه على الأقل، ومالم يكن لديه خطّة واضحة لمرحلة ما بعد الوصول لتلك القمّة تكفل استعداداً أكبر وسيناريوهات مختلفة للتعامل مع التحديات الجديدة وإلا فإن المستقبل لن يكون رحيماً به.
فما أوصلك هنا ليس بقادرٍ أن يوصلك لنقطةٍ أبعد، وما كان ناجحاً بالأمس سيكون سبب الفشل في المستقبل، فتغيّر الزمن يستلزم تغيّراً في الوسائل وفي طريقة التفكير وفي ردود الأفعال، فبزيادة صعوبة مهمة استمرارية التفوّق تكون الضرورة أدعى لزيادة الإعداد والحماية والتفكير بطريقةٍ تُربك حسابات المنافسين!
لقد تساقطت الكثير من الشركات المدرجة على قائمة فورتشن 500 لأفضل الشركات أداء وربحية، إذ تُشير الدراسات المسحية إلى أنه منذ بداية هذا التصنيف عام 1959 وحتى عام 2009 تبيّن أن 14% فقط من تلك الشركات (الناجحة) قد بقي موجوداً على القائمة حتى هذا العام، بينما 86% منها لم يعد موجوداً إطلاقاً إما لإفلاسه أو تدهور أعماله، مما يرجّح الانطباع السائد باختفاء وتساقط عددٍ مقارب من شركات النخبة هذه حتى منتصف هذا القرن لأنها تفتقد خطط ما بعد الوصول!
وكما أن النجاح اختيار فكذلك الفشل أيضاً، وحريٌ بمن وصل للقمة أن يُعيد حساباته بتغيير كافة السيناريوهات السابقة لأنها في الغالب مفصّلة للوصول لتلك المرحلة، بينما البقاء هناك يستلزم فكراً مختلفاً كما فعل ستيف جوبز مع شركة أبل بالخروج من صناعة الحواسيب الضيقة إلى عالم الملتيميديا الرحب واطلاق أجهزته التي أحدثت ثورة عالمية غير مسبوقة بالآيبود والآيفون ثم الآيباد مما أربك حسابات جميع منافسيه.
وعندما استفاقوا وحاولوا اللحاق كان قد احتكر النصيب الأكبر من الأجهزة اللوحية وتفوّق على مصنّعي الهواتف المحمولة بهاتفه اللمسي الذكي، ولو لم تُعاجله المنيّة لربما ساهم في افلاس العديد من المنافسين ويكفي أنه أسقط نوكيا وريسيرش إن موشن وإريكسون بالضربة القاضية ولم تقترب منه سوى سامسونغ لخرقها لبراءات الاختراع الخاصة بأبل والتي لازالت قضاياها مشتعلة في محاكم أوروبا وأستراليا حتى الساعة .
من المهم أن تشعر الشركة بالخطر أكثر كلما ارتقت في سُلّم النجاح، ومن واجبها أن تبحث عن مقاييس معيارية عالية جداً لضمان أن تبقى دوماً متقدمة على المنافسين، فعندما شعرت شركة الطيران الشهيرة ساوث ويست بوجود خطرٍ على حصتها السوقية نتيجة لبطء معدلات الدوران من لحظة هبوط الطائرة وإنزال الركاب والحقائب لحين تحرك الطائرة برحلة جديدة.
قامت بعمل مقارنة معيارية ليس مع منافساتها من شركات الطيران بل مع معدلات تغيير إطارات سيارات السباق الشهير إندي 500 فتفوقت على الجميع بهذه الفكرة الجريئة، فالتفكير النمطي سيؤدي لحلول مُتنبأ بها من المنافسين، أمّا التفكير المختلف فدوماً ما يُربك الآخرين ويُسقطهم، تماماً كتلك الإصبع التي تدفع أحجار الدومينو!