الوضع في سوريا يثير بالغ القلق ويشغل حيزا واسعا من الاهتمام على أكثر من صعيد إقليميا ودوليا، ولعل الأكثر قلقا على مستقبلها ومستقبل السلم الأهلي لشعبها، هم أبناؤها الذين يعانون مختلف صنوف الضياع، وسط تصاعد حدة الصراع وتوسع ساحاته.
سوريا تشهد حربا داخلية حقيقية، تخوضها الحكومة التي تتراخى قبضتها تدريجيا، ضد بعض فصائل المعارضة التي تشتد سواعدها. ولم يخفِ الرئيس الأسد حقيقة ما يجري، حين أعلن مؤخرا أن سوريا في حرب حقيقية، معربا عن تصميمه على كسبها.
وإذا كان الربيع العربي قد وجد الطريق أمامه سالكا ليورق في تونس ثم في مصر، ووجد عونا من طائرات حلف الناتو لتنقذه من التواري في ليبيا، فقد أصبح يواجه وضعا مأساويا في سوريا، بعد أن عجز عن غرس زهوره في ساحات دمشق وغيرها من المدن السورية، وبعد أن تأخر ظهور طائرات حلف الناتو في سماء هذه المدن.
الوضع في سوريا أصبح لا يتقبل غير الحسم عن طريق التدخل الخارجي، سواء كان هذا التدخل عبر رفع مستوى الضغوطات لإقناع أو إجبار الأطراف المتصارعة على قبول حلول واقعية لا مفر من قبولها، أو بتدخل عسكري يحسم الصراع لغير صالح النظام القائم.
دعوة كوفي عنان الأخيرة لتشكيل "حكومة انتقالية"، لقيت تأييدا في المؤتمر الذي عقد في جنيف في الحادي والثلاثين من يونيو المنصرم، بحضور الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، إضافة لتركيا والعراق والكويت وقطر وأمين عام كل من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.
وتمخض عن هذا المؤتمر صدور وثيقة أطلق عليها مسمى "خطة عنان". المؤتمر خلا من حضور أي طرف سوري، كما أن دولا عربية وإقليمية أكثر أهمية وفاعلية في الواقع السوري من العراق والكويت وقطر، لم تدعَ لحضور المؤتمر.
والحقيقة أن مصطلح "حكومة انتقالية" الذي ورد في الوثيقة التي صدرت عن المؤتمر، لا يستخدم إلا لتسمية مرحلة مؤقتة بين عهدين مختلفين، وهو ما يعتبر جديدا في مقاربة الأزمة السورية، على الرغم من أن المؤتمر لم يخرج بما يفيد عن وجود آليات لتنفيذ هذه الخطة.
إلا أن التجاهل الملحوظ للرئيس السوري، يثير التساؤل حول ما إذا كانت روسيا والصين لا تعترضان على إقصائه من معادلة التسوية، خاصة أنهما من الناحية العملية لم تصدر عنهما إشارات واضحة تشي برغبتهما في التخلي عن مساندته، فروسيا لا تزال مستمرة في دعمه وتزويده بالأسلحة. من ناحية ثانية، قد يفسر بعض المراقبين انعقاد المؤتمر، بأنه الأول الذي وضع الأسس لمرحلة ما بعد الرئيس الأسد.
إقرار مؤتمر جنيف "خطة عنان"، ليس كافيا للحديث عن إجماع دولي على سيناريو موحد لرفع المعاناة عن سوريا، فهذه الخطة لها تفسيرات متضاربة، خاصة ما يتعلق منها بمصير الرئيس الأسد.
ففي الوقت الذي تعتبر وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أن اتفاق جنيف يمهد الطريق لحكومة ما بعد الأسد، يصرح وزير الخارجية الروسي بأن رحيل الرئيس الأسد رهن بقرار الشعب السوري، ويصرح وزير الخارجية الصيني بأن ما ورد في الوثيقة ينبغي أن يحظى بموافقة جميع الأطراف في سوريا.
ردود الفعل الأولى حول "خطة عنان"، لا تشجع على توقع قرب نهاية المعاناة السورية. فقد استبق الرئيس السوري عقد هذا المؤتمر، ليعرب من خلال اتصالات أجراها مع مسؤولين في روسيا والصين وإيران، عن رفضه أية صفقة سياسية تفرض عليه.
وأنه سيبقى على رأس السلطة مهما كانت النتائج ومهما كانت التضحيات. مقابل ذلك صدر عن قيادات في المعارضة السورية، رفض تام لأن يكون للرئيس السوري مكان في أي تسوية للوضع في سوريا، هذا في الوقت الذي تحاول فصائل المعارضة السورية المشتتة، لملمة شملها والاتفاق على صيغة وثيقة وطنية في المؤتمر الذي رعته جامعة الدول العربية.
والذي اختتم أعماله في القاهرة في الثالث من يوليو الجاري، بمشاركة نحو 250 شخصية سورية وحضور وزراء خارجية بعض الدول العربية، إضافة إلى وزيري الخارجية التركي والفرنسي.
روسيا لها موقف خاص من النظام الحاكم في سوريا، فمع أن نظام القذافي في ليبيا كان مصنفا كأحد الأنظمة الصديقة لها، إلا أنها لم تكن حريصة على الدفاع عنه حرصها على الدفاع عن النظام السوري، لأنه آخر ما تبقى لها من حلفاء في المنطقة، ولأن رحيله يعني تغيرا في معادلات التوازن في هذه المنطقة الهامة، بشكل خطير يجعل من روسيا لاعبا أقل أهمية في التأثير على مساراتها من لاعبين إقليميين فيها.
ومع أن نتائج مؤتمر جنيف لم ترق إلى مستوى ما صدر عن وزراء الخارجية العرب في مؤتمرهم الذي عقد في الدوحة في الثاني من يونيو المنصرم، والذي طالب بوضع النظام الحاكم في سوريا تحت وصاية الأمم المتحدة وفق الفصل السابع من ميثاقها، إلا أن فيها بعض الجديد.
فقد كشف أنه على مدى ما يزيد على خمسة عشر شهرا منذ اندلاع الأزمة السورية، تراجعت المواقف المتشددة لكل من روسيا والصين، أمام الضغوطات الإقليمية والدولية من جهة، وأمام صورة الواقع التي لا يخطئ أحد في تفسير تداعياتها.
وهي صورة ليست في صالح الرئيس الأسد، من جهة أخرى. لقد أصبح الصراع الدائر في سوريا صراع إرادات دولية، الغلبة فيه لمن يمتلك النفوذ الأوسع عالميا، على المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية.
ميدانيا أصبح المشهد أكثر تعقيدا وخطورة، بعد حادث إسقاط المقاتلة التركية من قبل وسائل الدفاع الجوي السوري. فقد أضاف هذا الحدث الخطير، المزيد من الأعباء التي يواجهها النظام السوري، بعد أن رفضت أنقرة السيناريو الذي قدمته دمشق واعتبرت ما حدث عملا عدوانيا لها حق الرد عليه بالوسائل المناسبة وفي الوقت المناسب، موظفة في ذلك عضويتها في حلف الناتو الذي أعرب عن مساندته لها في اجتماعه الطارئ حول ذلك.