قرار المحكمة العليا الأميركية ذات الأغلبية اليمينية، بالانحياز لأوباما بشأن قانون الرعاية الصحية، لم يكن قرارا أيديولوجيا وإنما كان قرارا سياسيا هدفه حماية المحكمة العليا نفسها كمؤسسة.

والمؤسسات السياسية هي الجوهر الحقيقي للديمقراطية الأميركية.فطوال أعوام دراستي المتخصصة للولايات المتحدة التي تابعت فيها مختلف فعاليات النظام السياسي، وجدت أننا نخطئ كثيرا حين نتحدث عن الولايات المتحدة باعتبارها "قلعة الديمقراطية".

فالولايات المتحدة ليست أفضل ديمقراطية في العالم، ولكنها في تقديري بلد الحريات بامتياز، وهناك فارق كبير بين الاثنين. فالانتخابات والأحزاب وجماعات المصالح الأميركية مثلا، ليست أفضل ما يمكن الإشارة له عند الحديث عن الديمقراطية في العالم.

أما الحريات المدنية المنصوص عليها دستوريا في أميركا، فهي تعطي المواطن الأميركي حقوقا واسعة، تحميه من حكومته بشكل لا يقارن بديمقراطيات أخرى. وحتى في ظل تعرض تلك الحريات للقصف المنظم منذ عهد بوش الابن، تظل الحقيقة هي أن الأصل هو حق المواطن الأصيل في تلك الحريات، مهما تم انتهاكها في فترة زمنية أو أخرى.

هل معنى ذلك أن الولايات المتحدة ليست نظاما ديمقراطيا؟ بالقطع، لا. ولكن المسألة ببساطة هي أن جوهر الديمقراطية الأميركية، لا يتجلى في العملية الانتخابية ولا في طبيعة النظام الحزبي، وإنما يتجلى بوضوح في المؤسسات السياسية، فهي جوهر الديمقراطية الأميركية.

وكثيرا ما اهتممت بظاهرة أظنها تستحق الدراسة، وهي حرص شاغلي المؤسسات المختلفة، مهما كان تحزبهم وانتمائهم الأيديولوجى، على حماية المؤسسات السياسية ذاتها، لا فقط استخدامها كأداة لتحقيق أهدافهم السياسية. وهم في كثير من الأحيان يعطون الأولوية لحماية المؤسسة التي يمثلونها، على حساب الصراع السياسي.

وهناك حالات لا تحصى يكون فيها الحرص على حماية المؤسسة والغيرة على صلاحياتها وحماية هيبتها، هو السبب الرئيسي في اتخاذ قرار ما. خذ عندك مثلا، قانون سلطات الحرب الذي صدر عام 1973؛ فقد صدر هذا القانون في خضم حرب فيتنام، بعد أن توسع الرئيسان جونسون ونيكسون في الحرب ونقلاها إلى خارج فيتنام، دون علم الكونغرس صاحب السلطة وحده في إعلان الحرب.

فكان ذلك القانون الذي أعطى الرئيس القدرة وحده على إرسال قوات أميركية للحرب، ولكنه قيد تلك القدرة، ليس فقط بضرورة إخطار الكونجرس في غضون ثماني وأربعين ساعة، وإنما بضرورة سحب تلك القوات خلال ستين يوما، ما لم يقرر الكونغرس الإبقاء عليها.

والقانون يحمي بوضوح صلاحيات الكونغرس من تغول مؤسسة الرئاسة، وهو ما رفضته بشدة مؤسسة الرئاسة التي رأت في القانون انتقاصا من صلاحية الرئيس، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة. وقد صدر القانون رغم فيتو نيكسون، بأغلبية الثلثين في المجلسين، بينما لم يأت رئيس أميركي ديمقراطي أو جمهوري إلا وناصب ذلك القانون العداء، باعتباره ينتقص من صلاحيات الرئاسة. والمعركة حول هذا القانون لا تزال تطل برأسها، كلما ظهرت بوادر حرب جديدة تخوضها الولايات المتحدة.

وحماية المؤسسة والحفاظ على هيبتها، هما بالضبط ما جرى في المحكمة العليا الأسبوع الماضي. فرغم الأغلبية اليمينية في المحكمة بواقع 4:5، فقد اتخذت المحكمة قرارها بدستورية قانون الرعاية الصحية الذي تبناه أوباما، بواقع 4:5.

وكان الصوت المرجح الذي انضم إلى الأقلية الليبرالية، هو صوت القاضي جون روبرتس رئيس المحكمة. والقاضي روبرتس الذي اختاره بوش للمحكمة العليا، يميني معروف بمواقفه المحافظة للغاية، وهو في كل مرة ينحاز للقضاة الأربعة المحافظين الآخرين، فتخرج القرارات بانحياز يميني واضح. لذلك كانت المفاجأة هذه المرة، هي ترجيح روبرتس لكفة الليبراليين.

والأسباب الحقيقية وراء موقف روبرتس ستظل غير معلومة لفترة، إلا أن الواضح أن السبب الأكثر أهمية، كان إيمان الرجل بأنه كرئيس للمحكمة صاحب المسؤولية الأولى في حمايتها كمؤسسة، والحفاظ على مصداقيتها لدى الرأي العام.

ومما يرجح ذلك أن مبررات روبرتس لدستورية القانون، والتي اختلفت عن زملائه الليبراليين، كانت واهية وفق أساتذة القانون الدستوري الأميركي، بل وزملائه القضاة على الجانبين. وهو الأمر الذي يعني أن السبب الرئيسي لقرار رئيس المحكمة، كان أنه نظر القضية في سياق تأثيرها على مستقبل المحكمة العليا نفسها. فالقاصي والداني في أميركا، يعرف أن تقدير الرأي العام لدور المحكمة العليا قد وصل مؤخرا إلى أدنى مستوياته على الإطلاق.

فبعد سلسلة من القرارات التي أصدرتها المحكمة، بدءا بقرار تنصيب بوش الابن رئيسا، ومرورا بقرارات عدة ضد العمال والأقليات، ووصولا لقرار فتح الباب على مصراعيه لشراء المال للسياسة في الانتخابات العامة، صارت لدى المواطن الأميركي العادي قناعة بأن أعلى سلطة قضائية في البلاد، أقحمت نفسها حتى صارت جزءا من الصراع الحزبي والأيديولوجي في البلاد. وقانون الرعاية الصحية الذي يؤثر بقوة على حياة الملايين من الأميركيين، كان قد صدر من أعلى هيئة منتخبة، أي الكونغرس، ووقع عليه الرئيس المنتخب.

لذلك فإن قرار المحكمة بقتل ذلك القانون بحجة عدم دستوريته، كان سيعني أن المحكمة العليا التي يأتي قضاتها بالتعيين، قد قتلت قانونا صدر عن الممثلين المنتخبين للشعب ووقع عليه الرئيس المنتخب، وذلك عبر أغلبية يمينية انحازت للحزب الجمهوري في صراعه السياسي مع أوباما. وكان من شأن حدوث ذلك أن تهتز هيبة المحكمة وتتأثر مصداقيتها، بل واعتبارها وكأنها صارت جزءا من الحزب الجمهوري.

لذلك كله، يبدو أن روبرتس اتخذ قراره وهو يعلم أنه سيتعرض بسببه لانتقادات لا حصر لها من تياره السياسي. لكن قراره لم يكن تخليا عن تياره اليميني ولا انحيازا للتيار الليبرالي، وإنما كان على الأرجح انحيازا للمحكمة العليا وحفاظا على هيبتها ومستقبلها.