مؤكد أنه ليس موضوعا جديدا، لكن الحديث عنه يتجدد كلما أقبل الصيف، وهو حديث له صلة بصورتنا لدى الآخر، هذه الصورة المرتبطة بالفكرة النمطية المأخوذة عنا، عربا بوجه عام، وخليجيين بوجه خاص، لدى الشعوب الأخرى، والغربية منها على وجه الخصوص.
مع بداية موسم شد الرحال إلى العواصم والمدن الأوروبية، بدأ بعض الصحف والمواقع الإلكترونية بث الصور والأخبار، التي تتحدث عن جلب السياح الخليجيين سياراتهم الفارهة إلى العواصم الأوروبية لجعل عطلتهم الصيفية أكثر متعة، والظهور بمظهر مميز وأكثر مباهاة، كما جاء في التقرير المنشور على موقع "العربية.نت" الأسبوع الماضي.
حيث يلاحظ المتجول في حي "نايتسبريدج" في لندن، كما يقول التقرير، وجود العديد من السيارات الفارهة بمختلف أنواعها، تحمل لوحات مميزة لبعض دول الخليج العربي، وهي سيارات غالية الثمن من النوع الراقي، مثل فيراري ورولزرويس وبوغاتي.
ويُتوقع أن تتزايد أعداد هذه السيارات في شوارع لندن الضيقة، مع اقتراب انطلاق دورة الألعاب الأولمبية. ويلاحق المهووسون تلك السيارات غالية الثمن، لتصويرها بكاميرات الفيديو والتقاط الصور لها بالكاميرات العادية وأجهزة الهواتف المحمولة.
ولا يفوت هذه التقارير أن تتحدث عن الإزعاج الذي يسببه هدير محركاتها لقاطني الأحياء الراقية، الأمر الذي يؤدي إلى سلسلة من الشكاوى. كما تتحدث التقارير عن احتمال ارتفاع نسبة مخالفات أنظمة المرور، التي وصل إجماليها إلى ستة ملايين دولار قبل سنتين.
المتتبع للصور المنشورة على مواقع الإنترنت لهذه السيارات، يجد أن كثيرا منها تقف على الخطوط الصفراء والحمراء التي يُمنَع الوقوف عندها، وهي المشكلة الأكبر التي يتسبب فيها أصحاب هذه السيارات، كما يقول أحد المواطنين الخليجيين الذين يشحنون سياراتهم كل صيف معهم إلى أوروبا.
لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن قيادة مركبته في أوروبا هي بالنسبة له قمة السعادة، خصوصا عندما يسير في الطرقات وسط الأجواء الجميلة، ويراقب عيون المارة التي تظل تنظر للمركبات الخليجية، معترفا بأن أغلب الخليجيين يقومون بالمفاخرة بمركباتهم، وأن استقدام سياراتهم ليس سوى عرض أو "شو" كما يقول، مبينا أنه مقارب لعرض الأزياء، فكل صاحب مركبة يحاول أن يؤكد أحقيته في أنه ملك الشارع في أوروبا!
هذه الظاهرة التي تتكرر مع بداية موسم التصييف كل عام، تكرس الصورة النمطية التي تتحدث عنها الصحف الغربية عن العرب بوجه عام، وعن الخليجيين بوجه خاص، وهي صورة مكملة لما رسمه المستشرقون والرحالة الغربيون، الذين توافدوا على شبه الجزيرة العربية منذ منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، وساهموا في رسم صورة العربي المتخلف في أذهان الغرب. صورة ما زالت موجودة في ذهن الغربيين، رغم كل المحاولات التي بذلت وتبذل لتغييرها وإحلال صورة مغايرة لها مكانها.
وقد ساعد على تكريس هذه الصورة الممتدة، اكتشاف النفط في دول الخليج العربي منذ أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، في مرحلة كانت فيها دول المنطقة تعاني من الجهل والتخلف وتردي الأوضاع الاقتصادية، الأمر الذي جعل الغربيين يربطون بين الثروة التي هبطت على أهل هذه المنطقة، وسوء استخدام هذه الثروة المتمثل في ثقافة الاستهلاك التي طغت على أصحابها، وبعض التصرفات التي كانت تبدر من البعض.
ويتم تعميمها على الكل، ليتم وضعها في خانة الصور السلبية التي يتكون منها المشهد العام الذي يرانا في إطاره الغرب، ويصنفوننا من خلاله على أننا لم نغادر تلك الصورة القديمة، التي رسمها لنا الرحالة الغربيون الأوائل منذ ما يقارب القرون الخمسة، وما زالت ماثلة أمام عيون الغرب حتى الآن، رغم التطور الكبير الذي حدث في دول الخليج على وجه الخصوص.
دون التطرق لنظريات المؤامرة والتحامل والتشويه المتعمد لصورة العرب في السينما والإعلام الغربي، فإن الأمر لا يخلو من سوء نية نساعد نحن، ربما بحسن نية، في رسم هذه الصورة، تماما مثلما حدث عندما تم تصوير سيارة تحمل لوحات قطرية في فيلم "تيكن"، يستخدمها خاطفو ابنة "يام نيسون" بطل الفيلم، وتبين فيما بعد أن صاحب السيارة قام بتأجيرها لشخص استغلها في تصوير مشاهد في الفيلم، الأمر الذي حدا بالحكومة القطرية إلى منع اصطحاب السيارات إلى أوروبا في الإجازات. لذلك فإن حسن النية والغفلة، لا يغفران لنا المساهمة في تشويه الصورة، حتى لو حدث هذا دون قصد.
الصورة التي نتحدث عنها تتلقى كل يوم ضربات موجعة، وكثير من الذين يوجهون لها هذه الضربات يفعلون ذلك بمساعدتنا، أو نفعل نحن ذلك بالنيابة عنهم، عبر تصرفات وأفعال أقربها هذه الصور التي تنتشر على مواقع الإنترنت لسيارات فارهة تحمل لوحات خليجية، تقف على الخطوط الصفراء والحمراء وفي أماكن يعلم أصحاب هذه السيارات أن الوقوف فيها ممنوع، ومع ذلك يوقفون سياراتهم فيها، لأن الغرامة التي سيدفعها المخالفون مقابل كسر القانون، لا تعني شيئا لمن يملك سيارة يبلغ ثمنها ملايين الدولارات.
لكن كسر الصورة التي نتحدث عنها ونبحث في كتب الرحالة الغربيين الأوائل لمعرفة متى بدأ شرخها، مسألة تعني الكثير لنا نحن المهتمين بهذه الصورة.
لذلك لن نستغرب إذا تكرر صيف هذا العام والأعوام المقبلة، ما حدث صيف العام الماضي والأعوام التي قبله، ولن نقول إن هناك مؤامرات غربية تحاك لتشويه صورتنا، لأننا نحن الذين نشوه هذه الصورة بأيدينا.. لا بأيدي غيرنا.