تتركز الأضواء هذه الأيام على المحكمة العليا الأميركية، لأنها على وشك أن تصدر حكمها، وربما يصدر قبل نشر هذه السطور، بشأن دستورية قانون الرعاية الصحية، الذي تبناه أوباما وصار واحداً من أهم إنجازاته.

ورغم أن المحكمة ستحدد بالفعل مصير القانون، إلا أن أحداً لم ينتبه إلى أن القانون سيحدد أيضاً مصير المحكمة العليا، لأن قرارها سيؤثر بالسلب أو بالإيجاب في معدل ثقة الأميركيين بها.

والحقيقة أن الدور الذي تعلبه المحكمة العليا في السياسة الأميركية، دور حيوي لا يعرفه الكثيرون. فالكثير من الأمور المتبعة في الولايات المتحدة الأميركية يلتزم بها المجتمع والدولة، ليس لأنها وردت في الدستور ولا لأنها جزء من القانون أو حتى التقاليد والأعراف، وإنما لأنها صدرت بحكم من المحكمة العليا فصارت ملزمة لكل مؤسسات الدولة.

فالمشهد الذي نراه مثلاً في الأفلام الأميركية، حين يتم القبض على شخص ما، فيسرد ضابط الشرطة بشكل آلي سلسلة من الحقوق، يعبر عن الواقع الأميركي منذ صدور حكم شهير للمحكمة العليا عرف باسم «ميراندا ضد ولاية أريزونا» في عام 1966.

فالشرطة كانت قد ألقت القبض على رجل يدعى إرنستو ميراندا بتهمة خطف فتاة واغتصابها، واعترف الرجل لحظة القبض عليه. لكن ميراندا رفع الأمر لاحقاً للمحكمة العليا، دافعاً بأن رجال الشرطة لم يخطروه بأنه كان من حقه أن يصمت. فأصدرت المحكمة العليا قرارها الشهير، والذي يلزم كل رجال الشرطة بسرد تلك الحقوق عند القبض على أي متهم أو توقيفه.

والمحكمة العليا كانت هي ـ وليس الشعب الأميركي ـ التي وضعت بوش الابن في البيت الأبيض. فبعد انتخابات 2000 والصراع السياسي والقضائي المرير حول فرز الأصوات في ولاية فلوريدا، منحت المحكمة العليا بوش الابن البيت الأبيض، حين أوقفت عمليات الفرز اليدوي التي كانت ستحسم المعركة على الأرجح لصالح آل غور.

وهناك عشرات من الأحكام الأخرى للمحكمة غيرت وجه الحياة في أميركا، مثل حكمها في الخمسينات بعدم دستورية الفصل العنصري، وحكمها في السبعينات الذي جعل الإجهاض حقاً للمرأة.

وقرارات المحكمة تتأثر تأثراً كبيراً بالميزان السياسي والأيديولوجي للمحكمة لحظة اتخاذها القرار، وهو الأمر الذي يرتبط مباشرة بطريقة تشكيل تلك المحكمة. فوفق الدستور الأميركي، يرشح الرئيس قاضياً للمحكمة العليا لا يتم تعيينه إلا بعد موافقة مجلس الشيوخ.

والقاضي متى تولى عمله لا يستطيع أحد طرده من منصبه، فهو في المحكمة الدستورية إلى أن يتوفاه الله أو يفضل هو طوعياً التقاعد. لذلك السبب، قد يأتي رئيس لأميركا ويكمل ولايته كلها، دون أن تتاح له الفرصة لترشيح قاض واحد من قضاة المحكمة التسعة، بينما يتاح لرئيس آخر تعيين قاض أو أكثر كما حدث مع بوش الابن وأوباما.

وترشيح الرئيس للقضاة في كافة المستويات الفيدرالية، يكون أيديولوجيا من الناحية العملية. فالرئيس يختار من يتفقون معه في الرؤى والتوجه، ولهذا يتغير ميزان المحكمة العليا. ولأن الفترة من عام 1980 وحتى 2008 كانت كلها تحت حكم رؤساء جمهوريين باستثناء فترتي كلينتون، فقد صار الميزان الأيديولوجي للمحكمة يميل بوضوح نحو اليمين، بسبب تعيينات ريغان وبوش الأب ثم بوش الابن.

وهذا الميزان الذي كانت معالمه قد تشكلت في نهاية عهد بوش الأب، هو الذي أفرز حكم بوش - آل غور في 2000، وهو المسؤول أيضاً عن حكم آخر صدر عام 2010، رفع القيود، الضئيلة أصلاً، المفروضة على حرية المال في العملية السياسية، فصار الباب مفتوحاً على مصراعيه لشراء السياسة في أميركا.

ويرى عدد من المراقبين أن المحكمة قد اتخذت منذ تولي أوباما، موقفاً معادياً لسياسات إدارته، وعامل أحد قضاتها رئيس البلاد بصلف في خطبة عامة، وهو أمر غير مسبوق في التاريخ الأميركي. لكن الموقف العدائي من سياسات إدارة أوباما يبدو في تقديري متوقعاً، فالمحكمة بتركيبتها الحالية، وبالذات بعد تعيينات بوش الابن، صارت أكثر يمينية، الأمر الذي يجعلها معادية بالضرورة لسياسات إدارة ديمقراطية.

أما ما فعله القاضي صامويل أليتو ـ الذي عينه بوش الابن ـ مع الرئيس أوباما، فهو لا يختلف كثيراً عن الصلف والفجاجة التي اتسمت بها مواقف رموز إدارة بوش مع من يختلفون معهم، سواء كانوا أفراداً أو دولاً، وهي كلها أيضاً كانت غير مسبوقة.

فهل نسينا حين وصف رامسفيلد دول أوروبا التي عارضت غزو العراق كفرنسا بـ«أوروبا القديمة»، أو حين حقّر جون بولتون من شأن الدول الاسكندنافية التي عارضت هي الأخرى ذلك الغزو، فوصفها بـ«دول الشكولاتة»؟!

ولكن، وربما لكل هذه الأسباب، تتعلق الأنظار بالمحكمة انتظاراً لقرارها بشأن قانون الرعاية الصحية. فرغم نقائص هذا القانون وعيوبه، إلا أنه نجح في أن يقدم بعض التأمين الصحي لأكثر من أربعين مليون أميركي، كان يستحيل عليهم وفق النظام السابق على إصدار القانون، الحصول على تأمين، الأمر الذي يعني أن الحكم الذي ستصدره المحكمة العليا سيؤثر بالضرورة في حياة ملايين الأميركيين.

لذلك، فإن هذا الحكم تحديداً سيكون له أثر بالغ في موقف الرأي العام من المحكمة العليا. ومن الجدير بالملاحظة والتأمل، أن المحكمة العليا تعاني منذ فترة من انحسار معدلات الثقة بها لدى الرأي العام الأميركي، حتى وصلت اليوم إلى أدنى معدلاتها.

وهذا الاتجاه للرأي العام الأميركي إزاء المحكمة، كانت بدايته قرار بوش/ غور. وهو القرار الذي تلته سلسلة من القرارات التي استقر بسببها في ذهن الأميركيين، أن المحكمة أقحمت نفسها فصارت جزءاً من الصراع الحزبي والأيديولوجي الدائر في واشنطن.. فهل يؤدي قرارها بشأن قانون الرعاية الصحية لتكريس هذا المعنى؟