كان الجو الباكر مليئا بالضباب، مما دفع أحد الأشخاص لأن يقتفي أثر سيارة أمامه لصعوبة الرؤية، لعله يجد نفسه بعد فترة في مجال رؤية أفضل، ولم تمض دقائق حتى توقفت السيارة التي أمامه فجأة ليصدمها بقوة، ثم نزل غاضباً وهو يصرخ في وجه سائق السيارة الأخرى: لماذا لم تشعل إشارة التحذير قبل أن تقف فجأة هكذا؟ فرد الآخر: ولماذا أشعل الإشارة وأنا أقف في كراج منزلي!

القصة ليست للتندر والضحك، ولكنها مدخل لنقف على خطورة التقليد الأعمى وفساد المنطق القائم عليه، فالبعض يفني سنين عمره في اقتفاء خطى الآخرين وامتثال ما يوجهونه له، فهذه الملابس هي خطوط الموضة هذا الموسم، وهذه الألوان هي النزعة الجديدة، وهذا المطعم تؤمه الشخصيات المهمة فقط، وقِس على ذلك أعداداً لا تنتهي من الخيارات "المجيّرة سلفاً"، والتي يساق لها الكثيرون وكأنهم غائبون عن وعيهم طوعاً.

ولأن عوالمنا الصغيرة شبيهة بعوالمنا الأكبر، نجد بعض مؤسساتنا يعتنق ذات المعتقدات ويدين بنفس المبادئ القاصرة، فما يدور فيها هو من المأخوذ عمن سبق حتى لو اختلفت الأزمان وتباينت الظروف، وإن تحاذق من فيها أتوا بأفكار معلّبة تحت مسمى برّاق هو "أفضل الممارسات"، دون أن يعوا أن تلك الممارسات في الغالب ذات خصوصية بمكانها الذي نشأت فيه ونوعية الأشخاص الذين يتعاملون بها، فهي قد تكون سبب نجاح مؤسسة ما في بلد ما، لكنها بالتأكيد قد تكون سبب فشل مؤسسة أخرى في بلد آخر، ما لم يتم تكييفها بما يتوافق وبيئة العمل الجديدة.

كل ذلك يدعونا للتساؤل: لماذا وضع الله لنا عقولاً إن كنا سنضعها في منفى اختياري؟ فالمؤسسة هي كيانٌ تنظيمي حي، ولها نتاج يومي من الأفكار والتجارب والحلول والبدائل، لكنها لا تُستشَف بسهولة لمن أغلق ذهنه وأصر على اقتفاء التوصيات الجاهزة وبنود اللوائح البالية، ومن لم يعر انتباهه لشكوى العميل قدر اهتمامه بالحصول على شهادات الآيزو الساذجة.

ومن يرفض المساس بـ"التابو" الموجود في إرث هذه المؤسسات وسلوكياتها المعتقة، ولا يفتح مجالاً لافكار جديدة تعيد المؤسسة للغرض الرئيسي من تأسيسها، وهو خدمة العميل بأنسب طريقة ممكنة، وليس التنغيص على المراجعين والعملاء والتضييق عليهم، تحت شماعة "السيستم" واللوائح المقدسة!

ما يميز شخصاً عن آخر هو فكره الخاص، وما يفرق مؤسسة عن أخرى هو قدرتها على توليد كم مستمر من الأفكار وخلق بيئة محفزة للإبداع. فالفكر المختلف هو ما جعل تويوتا تتفوق على ثلاثي ديترويت الشهير (جنرال موتورز وفورد وكرايزلر)، بمنهجيات كايزن .

وكان بان وجينشي جينبوتسو ونيماواشي وهانساي وغيرها، مما أسسته وطوّرته تويوتا داخلياً، وليس من خلال "باعة" متجولين يسوّقون لحِزمة إجراءات يُفترض أن تُحوّر المؤسسة نفسها حتى يتم التوافق معها، وهي ببساطة من باب "حلٌ واحد يصلح للجميع!"، حيث تتلقى تويوتا سنوياً قرابة مليون فكرة تطويرية وتحسينية كما يذكر "يوزو ياسودا"، وتنفذ منها في المتوسط ٪98.

وعندما أغرقت الأسواق الأميركية بسياراتها الصغيرة عالية الجودة، كان ريك واغنر رئيس جنرال موتورز التنفيذي ورفاقه من أتباع "أفضل الممارسات"، يترنحون بين قوالب الفكر النمطي والمراهنة على الجياد الخاسرة، فسقطت الشركة في دوامة الإفلاس!

البشر مولعون بمحاكاة بعضهم وكذلك المؤسسات، والناظر للشركات الرائدة سيجد أسماء مثل آبل، بروكتر آند غامبل، فيسبوك، بيبسي، تويوتا، ستاربكس، تيسكو، نايكي، مكدونالدز، وكلها يجمعها أمر واحد، ألا وهو منهجية المحيط الأزرق Blue Ocean Strategy، إنه البحث عن الجديد، الجديد من المنتجات ومن الأسواق ومن الوسائل في تقديم هذه المنتجات، فتألقت وستبقى متألقة، لأنها أعلت من شأن الفكر الخلاق ونبذت طقوس التقليد و"تأليه" السلوكيات المعتادة والسقوط في براثن بضاعة الباعة المتجولين.

ومن أراد أن يكون مثلهم لا بد أن يثق بنفسه أولاً، وأن يجمع حوله من يملك الجرأة مع المعرفة ليفكر بدون قوالب جاهزة، وأن لا يخجل من أن يعترف بأفضلية البعض عليه حتى تكون وقوداً مُحفزاً للتفوق على الذات وتقريب المسافات مع صفوف النُخبة، وأن يبتعد عن اقتفاء الآخرين دون وعي ودون هدف واضح. فالأفكار العظيمة لا يغتالها إلا أصحاب الفكر الضيق، ولنسأل أنفسنا: هل شاهدنا يوماً تويوتا أو آبل تستلم شهادة للآيزو؟