يتعين على المرء أن يكون ممتنا لأنه ولد ليجد نفسه في رحاب لغة منتشرة يتحدثها الملايين من الناس، ولكن ماذا عن الآخرين الذين ولدوا في رحاب لغة لا تتحدثها إلا أعداد قليلة من الناس أو قبيلة صغيرة؟ وربما يكون قد ولد تحت سقف لغة لم يكلف أحد نفسه عناء ابتكار طريقة لكتابتها، هل نعرف على وجه الدقة متى، على سبيل المثال طورت أي من اللغات الكبرى اليوم أبجدية لنفسها للمرة الأولى؟ وهل يقتضي تدوين لغة ما اختراع أبجدية لها؟

على سبيل المثال؛ عندما يتعلق الأمر باللغة العربية، فإننا نعرف أنه في مرحلة ما قبل الإسلام، كان عدد قليل للغاية من العرب يعرفون القراءة والكتابة، وقد تم تجميع القرآن الكريم لأول مرة بعد معركة اليمامة التي وقعت عام 633 ميلادية، وهو يعد أقدم كتاب باللغة العربية، وكان في تلك الفترة محفوظا في صدور عدد محدود من الناس، فما الذي يمكن أن يحدث إذا مرضوا أو ماتوا أو استشهدوا في القتال؟

غير أن تكوين اللغة العربية يمكن رده إلى مرحلة أقدم عهدا، فالقصائد الأقدم عهدا، مثل المعلقات، تم حفظها على امتداد مئات السنين شفاهيا، ومن المعتقد أنها كتبت لأول مرة بعد قرون عديدة من نظمها، وذلك على يد العلماء المسلمين في صدر العصر العباسي، وهو ما يعني وقتا ما بين عامي 750 و900 ميلادية.

 وفي هذا الشهر المميز، نسمع اللغة العربية على نحو ما كانت تنطق في ذلك الوقت في شبه الجزيرة العربية بأسرها، وقد قدر لها أن تصبح لغة مقدسة لدى كل المسلمين لأنها لغة القرآن الكريم، وانتشرت في أرجاء الدنيا بسبب هذه الحقيقة على وجه التحديد، فقد كان القرآن الكريم وانتشاره في أرجاء الدنيا مع الفتوحات الإسلامية، هو الذي حمل اللغة العربية إلى الآفاق.

في البداية تألفت الأبجدية العربية من الحروف الساكنة فحسب، وبعض هذه الحروف أيضا كانت تكتب بطريقة متشابهة، الأمر الذي جعل من المتعذر تمييز حرف من آخر.

وهكذا فإن القرآن الكريم كان من خلال تدوينه بهذا الشكل، كتابا موصدا بالنسبة للبعض، حيث لم يكن بمقدورهم آنذاك أن يقرأوه بفهم وتدبر حقيقي لمعانيه، وكان الشخص المسؤول أكثر من غيره عن تبسيط الخط العربي، هو والي الخليفة عبدالملك بن مروان على العراق.

حيث قام بذلك من خلال العديد من الأساليب، فنقل عن السريانية بإدخال علامات الحروف المتحركة وغيرها من العلامات التي وضعت تحت أو فوق حروف ساكنة بعينها لكي يمكن التمييز بينها، وفرض أوضاعا في المنطقة التي يحكمها، بحيث يتاح للناس فيها الوقت والمجال لدراسة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وقد اختار الكثير من الصحابة الكرام البصرة مقرا لهم.

ويعد أبو الأسود الدؤلي، وهو أحد أبناء البصرة وقد توفي هناك في العهد الأموي، العلامة الذي ينسب إليه الفضل في تكريس النحو العربي، وقد سئل عن كيفية تحصيله لهذه المهارة، فرد قائلا إنه قد تعلم مبادئها الأولية من الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ولم ينشر معرفته تلك إلا بعد أن طلب منه الوالي زياد أن يضع كتابا يرشد من يرغبون في قراءة القرآن الكريم وفهمه وتدبره على النحو الصحيح، وقد قام

أبو الأسود الدؤلي بهذا، وأسس في وقت لاحق المدرسة البصرية في النحو، التي كما نعرف جميعا كانت في حالة تنافس شديد مع مدرسة مناظرة في الكوفة.

وهكذا فإن العربية الفصحى هيمنت على امتداد العالم العربي حتى سنوات قريبة، وذلك على الرغم من أن معظم الناس، بمن في ذلك أولئك الذين تلقوا تعليما راقيا، قد استخدموا شكلا أكثر بساطة من أشكال اللغة العربية في حديثهم اليومي.

وهكذا فإنني مازلت أتذكر أنني عندما كنت أحضر الأمسيات الثقافية في دار عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، كان طه حسين نفسه يستخدم شكلا من اللغة المروية، وكانت العامية توظف كأداة للمرح وسرد الطرائف فحسب.

ومازلت أتذكر أنني دخلت في مجادلات مع نجيب محفوظ حول دوره في توظيف اللهجة العامية في كتبه، ورده في هذا الصدد بالقول إنه لو فعل ذلك فإن كتبه لن تقرأ خارج مصر، وأن القراء الذين يعرفون العامية سوف يغيرون بشكل تلقائي الحوار الفصيح إلى حوار بالعامية عندما يقرأون الكتاب.

غير أن الموقف يتغير اليوم بسرعة كبيرة، حيث انه بالنسبة للكتاب المصريين، أصبح مقبولا بشكل أكبر أن يستخدموا العامية، ليس في حوار الكتاب فحسب، ولكن بصورة متزايدة باعتبارها اللغة التي يكتبون بها، خاصة عندما لا تكون رواية تتناول أحداث الحياة كما تعاش اليوم.

وفي غضون ذلك، فإن غير المصريين بسبب معدلات مشاهدتهم المتزايدة للتلفزيون، أصبحوا على معرفة متزايدة بالعامية المصرية، ومن شأنهم كالقارئ المصري تماما، أن يشعروا بالدهشة إذا وجدوا فلاحا يتحدث الفصحى.