إن أية نظرة شاملة على الأزمة السورية بكل مكوناتها وأطرافها وإسقاطاتها، تشير، إذا كانت نظرة موضوعية، إلى جملة من الأمور التي ربما كانت أطراف الصراع والأطراف الإقليمية والدولية ذات العلاقة تتجاهلها أو تحاول أن لاتراها، مما يزيد هذه الأزمة تعقيداً، ويؤجل حلها، ويضع سوريا شيئاً فشيئاً على طريق مجهولة.

من الوجهة الأمنية والعسكرية، لم تعد السلطة السورية تسيطر على جميع أنحاء البلاد، فتقتصر سيطرتها نهاراً على أجزاء من المدن الرئيسة كدمشق وحلب، وعلى الطرق الواصلة بين المدن والبلدات، أما ليلاً فإن سلطتها تتراجع ليقتصر وجودها على المقرات الأمنية والحكومية، فلا تستطيع قوى الأمن أو قوات حفظ النظام أو الميليشيات أو حتى الجيش النظامي دخول القرى والبلدات وبعض المدن ليلاً. وهذا يفسر خروج مظاهرات ليلية بلا انقطاع في مختلف المناطق دون خوف، كما يفسر لجوء قوات السلطة إلى القصف المدفعي والجوي من بعيد. ومن الملاحظ أنه عندما تدخل قوات عسكرية أو أمنية أو ميليشيا، أي مكان نهاراً أو ليلاً، فإنها تستبيحه وتنهب ما فيه وتحطم ما لا تستطيع نقله، وتقتل من ترغب.

 أما من الوجهة الاقتصادية فقد تضاعفت الأسعار، حيث لا توجد أية رقابة حقيقية عليها أو على جشع التجار. بينما بقيت دخول المواطنين ثابتة. وتكاد مؤسسات القطاع العام تعلن إفلاسها، وخسر القطاع الخاص كثيراً من دخله بعد أن أُغلقت المنشآت الصغيرة (الصناعية والتجارية والسياحية) فارتفعت نسبة البطالة إلى ما يقارب الضعف، وتوقف الاستيراد والتصدير والسياحة والتراتزيت وغيرها من النشاطات الاقتصادية، مما أدى في النهاية إلى تدهور الوضع الاقتصادي السوري وتدني المستوى المعاشي للناس.

وعلى النطاق السياسي لم يبق نصير لسوريا من دول العالم سوى إيران وروسيا وأنصاف السياسات الصينية والعراقية واللبنانية إضافة إلى السياسة الفنزويلية. أما ما تبقى من الدول العربية والإقليمية والأوروبية والآسيوية والأميركية والأفريقية ومجلس الأمن والأمم المتحدة وغيرها، فإنها جميعها مستاءة من السياسة السورية وممارسات سلطتها، وقد تراجعت علاقاتها مع سوريا في مختلف المجالات حتى كادت أن تتلاشى.

رغم هذه الظروف المحيطة بموقف السلطة السورية وبنشاطها وقدراتها، فمازالت حتى الآن ترفض الحل السياسي والتسوية التاريخية، وتجهد لإنجاح الحل الأمني رغم تراكم الصعوبات في كل المجالات. ويبدو أن هذه السلطة ما زالت موهومة بأن المعارضة (بجميع فصائلها) سوف تأتي صاغرة وتقبل عروضها المتمثلة بإجراء بعض التعديلات على القوانين التي أصدرتها خلال الأشهر الماضية وسمتها قوانين وتشريعات إصلاحية، وهذا أقصى ما تعرضه السلطة السورية لتفكيك الأزمة.

هذا ما يتعلق بالسلطة، أما المعارضة، فإن الداخلية منها مثقلة بتاريخها، وفاقدة إلى حد ما العلاقة مع الجماهير الشعبية، ولا تستطيع تحريك هذه الجماهير، وهي تتشكل من أحزاب معارضة تقليدية يسارية وقومية، دفع مناضلوها أثماناً غالية من السجن والنفي والتعذيب، وتحالفت في تجمع واحد هو هيئة التنسيق الوطنية، ومع أنها طرحت حلولاً متوازنة وواقعية للأزمة، إلا أن ضعفها الجماهيري، ومغالاة السلطة في رفض مقترحاتها، حوَل مبادراتها إلى صرخة في واد.

كما أنها، أي هيئة التنسيق، لم تتبن شعارات الشارع المتطرقة الرافضة أية تسوية تاريخية، والتي ترى أن الخطوة الأولى تبدأ بعد تنحي الرئيس، ولهذا خسرت الهيئة التأييد الجماهيري واتهمت بممالأة السلطة، في الوقت الذي لم تستطع فيه إقناع هذه السلطة بمقترحاتها. أما نشطاء المعارضة الخارجية الممثلة بالمجلس الوطني فهم (توليفة) من السوريين الذين يعيشون في الخارج، ومن الطبيعي أنهم بعيدون عن معرفة الواقع السوري، فضلاً عن أنهم وقعوا تحت ضغوط جهات ومنظمات ودول أخرى خارج سوريا، ولم يستطيعوا وضع برنامج جدي ومفصل، فلجأوا إلى رفع الشعارات التي يرفعها الشارع (الشعارات المتطرفة) والتي لا تأخذ باعتبارها الحلول الواقعية التي توصل إلى التسوية التاريخية.

وأخيراً فإن المعارضة المسلحة، ممثلة بما يسمى ( جيش سوريا الحر) فإنها تهتم بالدفاع عن المتظاهرين، ويواجه منتسبوها من العسكريين المنشقين أو من المدنيين المتطوعين، قوات الجيش النظامي والقوات الأمنية التي تحاول أن تنال من المدنيين، وهم يهتمون بهذه المهمات أكثر من اهتمامهم بتسوية تاريخية، مفترضين أنهم سينتصرون عسكرياً يوماً ما، وعندها سيقررون، مع فصائل المعارضة الأخرى شكل النظام الذي يريدونه.

بقي القول أن السياسة الدولية وضعت الأزمة السورية في تداول الدول الكبرى والتجمعات الدولية، وسحبتها من أيادي الشعب السوري وفصائله السياسية والثورية، وأخذت هذه الدول - لسوء الحظ تتعامل مع الأزمة من خلال مصالحها، ونظراً لتناقض هذه المصالح، فقد أخذ الجميع يطرح حلولاً بديلة، ليس منها الحل المأمول القابل للتطبيق، ولعل التسوية التاريخية للأزمة السورية هي آخر ما يخطر بأذهان هذه الدول.

يبدو أن لا حل للأزمة السورية إلا بتسوية تاريخية، تبدأ باقتناع الأطراف ذات العلاقة بها، وخاصة أهل السلطة الذين يفتقدون حتى الآن الإرادة والعمل الجاد لتفكيك هذه الأزمة، والوصول إلى تسوية حقيقية هدفها إقامة نظام ديمقراطي تعددي تداولي، ولاشك أن الخطوة الأولى والرئيسة هي مسؤولية السلطة السورية التي ينبغي أن تبدأ بها. وهذا ما ترفضه مطلقاً، وهي بذلك توقع الجميع في ورطة، وتعبًّد الطريق للحرب الأهلية.