على الرغم من أن التواصل، على مستويات مختلفة، بين فصائل المعارضة العراقية للنظام السابق، المنخرطة حاليا في العملية السياسية، لم يكن متعذرا، إلا أنها عاشت سنوات المنافي الطويلة في أجواء انغلاق شبه تام على ذاتها، مؤمنة بمبادئها، متماهية مع يقينية وقدسية قيمها. فأجواء علاقاتها مع بعضها لم تكن تخلو من الاحتراب، خاصة حين يكون هناك تقارب في الأهداف مع تباين في استراتيجيات وآليات تحقيقها، وحين يكون للبلد المضيف لها مصالح في تفضيل بعضها على البعض الآخر.
لذلك تعايش كل فصيل مع هاجس إسقاط النظام على أسس برامجه وأهدافه، وربما أهوائه فحسب، متجاهلا أن الأجواء على أرض الواقع غير ذلك. فنقطة الالتقاء في برامج تلك الفصائل كانت واحدة وهي إسقاط النظام، إلا أنها لم تتفق على مشروع وطني لانتشال العراق من واقع مؤلم صنعته ثلاث حروب دمرت بناه التحتية وألحقت أبلغ الأضرار بتركيبته وتقاليده المجتمعية.
لم تجتمع تلك الفصائل تحت سقف واحد سوى في عدد محدود من المؤتمرات، كان آخرها مؤتمر لندن عام 2002 الذي عقد برعاية أميركية لتوزيع الأدوار، تمهيدا لغزو العراق، حيث خرج المجتمعون منتظرين ساعة سقوط النظام ليحصدوا ثمار ما اتفقوا عليه في المؤتمر، وهو تقاسم المصالح والنفوذ دون أن يخرج أحد منهم عن خندقه الضيق أو يعيد النظر بعلاقاته المثيرة للجدل بهذه الدولة أو تلك.
وحين سقطت الدولة العراقية في أبريل 2003، لم يواجه العراق نقصاً في عدد من يشغل الكراسي التي أصبحت شاغرة، بل واجه غياباً للمشروع الوطني الكبير لإعادة بناء الدولة، فبرنامج كل فصيل لم يكن غير برنامج الفصيل نفسه، بدأ بتنفيذه في الوزارة أو المؤسسة التي أصبحت من إقطاعياته وفق الحصة التي انتزعها لنفسه في عملية المحاصصة. وكان لا بد لهذه البرامج غير المتناغمة التي تنتمي لفصائل مختلفة أن تصطدم ببعضها عند التنفيذ في المشهد السياسي المعقد، وتُولد الأزمة تلو الأزمة جراء ذلك.
ومما زاد من تعقيد المشهد أن تداعيات غياب المشروع الوطني قد انعكست على العملية السياسية برمتها دستورا وممارسة في جميع مؤسسات الدولة، وأصبحت بعد هذه السنوات بمثابة تقاليد ومُسَلمات تحكم العمل السياسي وتنذر بتحول الأزمة الحالية التي تعصف بالعملية السياسية من أزمة تهدد مستقبل الحكومة إلى أزمة تهدد مستقبل الدولة نفسها. فهناك الكثير من المؤشرات على أن الإحباط الذي يعيشه العراقيون قد أدى إلى تراجع كبير في روح الانتماء والمواطنة.
وذلك ما يمكن رصده في ظواهر عديدة، منها غياب الحرص في العمل أو الجدية في بناء البلد والسعي نحو الهجرة، وترك الوطن وعزوف المهاجرين عن العودة. حيث أصبح العراق في مقدمة الدول مع أفغانستان في حجم طلبات اللجوء التي يقدمها أبناؤه (تقرير منظمة شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في مارس المنصرم).
فها نحن قد دخلنا السنة العاشرة منذ سقوط النظام السابق ولا يزال مصير العراق مرهوناً بإرادات غير عراقية، إذ لم يسمح للبلد بالخروج من وصاية الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بل غدت الأوضاع أكثر خطورة حين أصبحت أياد أخرى إقليمية تمتد بسهولة للتأثير على كل صغيرة وكبيرة تتعلق بشأنه. وبات مستقبله مرتهناً برغبات دول أخرى في أطر توازنات يتم فيها اللعب بجميع الأوراق من غير استثناء، وبدرجات متفاوتة، حسب سخونة أو برودة الأجواء.
جوهر الصراع السياسي القائم لا يدور حول ما بقدرة كل طرف تقديمه من خدمات أو أفضل ما لديه من طرائق لمعالجة ما هو قائم من أزمات، بل حول ما هو متوافر من مساحة في القرار السياسي لكل طرف. والحقيقة أن الأزمة التي يعيشها العراق بعيدة كل البعد عن ذلك، فهي بكل بساطة تتلخص في غياب المشروع الديمقراطي لبناء الدولة.
هناك ممارسات لا تعد ولا تحصى على مختلف المستويات، سيادية وسياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية، لا تنسجم مع المعادلة الديمقراطية التي يتحدث الكل عنها. فالديمقراطية لا تسمح في أطرها العامة بانتعاش ثقافة الرياء والتملق والنفاق للحاكم ولحاشيته، ولا تتسامح مع انتهاكات حقوق الإنسان ووجود سجون سرية وأخرى غاصة بالمعتقلين (تقرير هيومن رايتس ووتش في مايو المنصرم).
ولا تتفق الديمقراطية مع انتهاج سياسات تراعى فيها مصالح المسؤولين والسياسيين عن طريق سن القوانين لشرعنة ذلك. ولا تستطيع الديمقراطية استيعاب حقيقة مخيفة؛ هي أن أكثر من 7 ملايين عراقي (23% من السكان) يعيشون تحت خط الفقر (تقرير بعثة الأمم المتحدة في العراق في نوفمبر الماضي)، في الوقت الذي تجاوزت فيه ميزانية الدولة حاجز المئة مليار دولار.
كما أن الديمقراطية باعتبارها وسيلة للتعامل الشفاف مع القضايا التي تهم الشعب لا تسمح بوجود ملفات سرية يمسكها كل طرف ليهدد الطرف الآخر بكشفها عند الضرورة، في ممارسات ابتزازية تتعارض تماما مع الممارسات التي يفترض أن تتحلى بها الكتل السياسية المنخرطة في العملية السياسية. فهذه الملفات لا تتعلق بأضرار ألحقها شخص بمصالح شخص آخر، بل تتعلق بأشخاص أو أحزاب أو حركات أو دول ألحقت بممارساتها الأضرار بالمصالح العامة للعراق.
ربما يتعلق بعضها بالتصفيات الجسدية أو بتأجيج الصراعات العرقية والطائفية، أو بالتستر على نشاطات منظمات إرهابية، أو التستر على جرائم معينة، أو التستر على نشاطات تخريبية تمارسها هذه الدولة أو تلك من دول الجوار، أو التستر على السرقات للأموال العامة، أو التورط بصفقات مشبوهة، أو التستر على رشاوى تدفع أو تقبض، أو التستر على مخالفات دستورية، أو... أو... وهي كثيرة.
العمل على «تصفية الخلافات» أو تنقية الأجواء بين الكتل السياسية باعتباره مفتاح الحلول ووصفة العلاج السحرية المناسبة لما تعتري الجسد العراقي من أوصاب، لن يجدي نفعا إن اقتصرت المقاربة على تصفية الخلافات بين قيادات الكتل السياسية وتطمين مصالحها وأهملت أو تجاهلت النظر في الملفات التي لا تنسجم مع بناء الدولة على أسس الديمقراطية.
الوضع السياسي المتفجر في العراق يثير أشد القلق على مستقبله، ويضع أبناءه الذين تفاءلوا بعد سقوط النظام السابق بنموذج ديمقراطي للحكم يلبي طموحاتهم العطشى للحرية والعيش الكريم في أجواء يأس شديد.