بعد طول ترقب التقى الرئيسان الأميركي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين في قمة مهمة على هامش قمة العشرين الاقتصادية في المكسيك لبحث الخلافات والملفات العالقة بين الدولتين العظميين سواء فيما يتصل بعلاقاتهما الثنائية أو بالقضايا العالمية والإقليمية الساخنة خاصة في الشرق الأوسط.

 وتكتسب هذه القمة أهميتها المضاعفة من توقيتها وملفاتها وما سبقها على الجانبين من تحركات ومواقف وتصريحات متعارضة تجاه قضايا عديدة من بينها قضايا منطقتنا العربية والإسلامية، كما تكتسب دلالاتها من إمكانية انعقادها، وهو ما كانت تنتظره واشنطن منذ شهر مضى، ومكان انعقادها الذي اختارته موسكو بحساب دقيق.

من حيث التوقيت تجيء بعد انتخاب الرئيس بوتين المعروف بصلابته في التعامل مع الغرب لولاية ثالثة، مما يشكل مانعا أمام الانفراد الأميركي بتقرير مصير العالم، كما تجيء والرئيس الأميركي غارق في المعركة الانتخابية داخل بلاده، وأميركا عالقة مع الناتو في حرب خاسرة في أفغانستان وتسعى للخروج من المستنقع بشىء من ماء الوجه، مما جعلها تبحث في اللقاء عن أي مكسب سياسي لأوباما شخصيا أو لأميركا دوليا.

كما تجيء القمة الروسية الأميركية بعد قمتين على الأراضي الأميركية، الأولى قمة حلف الأطلسي «الناتو» في شيكاغو، والثانية قمة الثمانية الكبار في كامب ديفيد، حيث حاول خلالهما الرئيس أوباما تحقيق مكاسب سياسية لحملته الانتخابية وتقليل الخسائر الأميركية العسكرية والاقتصادية والسياسية.

وبينما كانت قمة شيكاغو لدول الناتو وبحضور نحو خمسين دولة بلا مبرر مفهوم سوى المشاركة في تمويل الانسحاب الكبير، إلا إذا كان احتفالا بوضع استراتيجية الخروج من أفغانستان، كانت قمة الثماني الكبار بمشاركة روسية محاولة أميركية لوضع استراتيجية للخروج من الأزمة الاقتصادية للرأسمالية الغربية.

وكان أوباما، حين هاتف بوتين مهنئا بانتخابه وداعيا له لحضور قمة واشنطن، شديد الحرص على أن تكون أول زيارة لبوتين إلى واشنطن، في إشارة ذات معنى بأن شيئا لم يتغير بين موسكو وواشنطن، وأن الطريق بينهما سالكا رغم اختلاف المواقف، كما أن صورة المصافحة مع بوتين سوف تكون رصيدا لأوباما في حملته الانتخابية، إلا أن اعتذار بوتين عن الحضور وإيفاد ميدفيديف لقمة الثماني حرم أوباما تحقيق ما كان يريد، بل زاد بوتين الأمر وضوحا بأن اختار أن تكون أول زيارة رئاسية له إلى برلين وبكين وليس إلى واشنطن.

وفي زيارته إلى الصين لحضور قمة «مجموعة شنغهاي» التي تضم الصين وروسيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، بمشاركة إيران والهند وباكستان ودول أخرى كمراقبين، حرص بوتين ألا يذهب للقاء أوباما على هامش قمة العشرين في المكسيك وليس في واشنطن إلا بعد المرور على بكين الحليف القوي لموسكو.

وبعد بيان قمة شنغهاي التي تقودها روسيا والصين الذي جاء في ما يبدو ردا على بيان قمة الناتو في شيكاغو التي تقودها أميركا وبريطانيا، أما لماذا اختار بوتين حضور قمة العشرين ولم يحضر قمة الثماني، فذلك لأن قمة الثماني هي قمة سياسية اقتصادية لأميركا فيها الحضور الأقوى، بينما قمة العشرين هي قمة اقتصادية فقط والحضور الصيني الروسي فيها أكثر تأثيرا بالإسهام المالي في حل الأزمة المالية الغربية.

في النهاية شملت الملفات التي دار النقاش الجاد حولها بين الرئيسين الأميركي والروسي في قمة المكسيك أربع قضايا شائكة رئيسية أولاها مسألة الدرع الصاروخي الأميركي بحجة مواجهة التهديد الصاروخي الإيراني وترى فيه روسيا أنه موجه لتهديدها وضد أمنها القومي وتهدد بالرد العسكري عليه.

والثانية هي الأزمة السورية والتي حاولت أميركا استغلالها للتدخل العسكري الغربي لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد على غرار ما فعل الناتو في ليبيا، وترى روسيا في ذلك انتهاكا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وضربا للمصالح الروسية الاستراتيجية، وترفض بحزم مع الصين استغلال مجلس الأمن لتكرار السيناريو الليبي في سوريا.

إضافة إلى تباين المواقف الروسية والأميركية من الأزمة الإيرانية الغربية حول الملف النووي الإيراني، وتباين المواقف أيضا بالنسبة للقضية الأفغانية.

ولأن ما جرى في القمم الأربع بشأن القضايا الأربع يعكس آخر المواقف للدولتين العظميين خصوصا في ما يتصل بسوريا وإيران، وقضايا الشرق الأوسط، فإنه يهمنا بالتالي ومن المفيد أن نطلع عليه ونتعامل معه لنعرف من يتدخل في قضايانا لمصالحه وضد مصالحنا ومن يعمل لتحقيق مصالحه توافقا مع مصالحنا، ومن من تلك القوى الدولية تتسق في مواقفها بالقانون الدولي والمبادئ الأممية ومن ينتهك القانون الدولي والمبادئ الأممية.

القمة الروسية الأميركية كانت تتويجا لما توافقت عليه باقي القمم نزوعا إلى السياسة وابتعادا عن الحرب، وجاءت بعد دعوة روسيا، إلى عقد اجتماع دولي موسع بشأن الأزمة في سوريا يضم إيران وتركيا بهدف دعم خطة كوفي انان لحل الأزمة سياسيا، فيما رفضت أميركا وفرنسا وبريطانيا مشاركة إيران كونها حليفا للحكومة السورية، كما جاءت بعد يومين على تعليق بعثة المراقبين الدوليين في سوريا لعملها بسبب العنف من كلا الطرفين المتنازعين.

وقد نجحت القمة في تراجع الخيار الأميركي بالتدخل العسكري وتوافق مع الموقف الروسي بالحل السياسي عن طريق وقف العنف من كلا الطرفين ودعم خطة انان، حيث شدد الرئيسان على أن الشعب السوري هو صاحب الحق دون أي تدخل خارجي في تقرير خياره لنظامه السياسي.

وقال أوباما «إننا اتفقنا على ضرورة التوصل إلى وقف العنف في سوريا وإجراء العملية السياسية التي بمقدورها الحيلولة دون نشوب حرب أهلية وإراقة الدماء»، مشيرا إلى أنه «هو وبوتين مستعدان، بمشاركة المنظمات الدولية وكوفي انان، للمساهمة بحل هذه المشكلة».

حدث هذا، بينما يتعرض اتفاق وقف إطلاق النار بموجب خطة انان، إلى خروقات متواصلة، فيما يسعى انان لإنقاذ خطته من خلال اقتراحه تشكيل مجموعة اتصال دولية، ليكون المطلوب توافقا عربيا ودوليا جديا على وقف نزيف الدم في سوريا وإبعاد شبح الحرب وإحلال السلام وفق قواعد القانون الدولي ومبادىء ميثاق الجامعة العربية.