لم تكن رمية في حقل الصدف، أن تكون ولادة اتحاد دولتنا مسبوقة بتأسيس معرفي أرشيفي عميق، يستطيع احتضان تاريخ الإمارات خصوصاً ودول الخليج عموماً، لتكون الدعامة الثابتة الراسخة التي يقوم عليها اتحاد راسخ، لا يزال يستمد عناصر بقائه المتجددة عاماً بعد عام، ويرسخ في الأجيال ضرورته والحاجة الماسة إليه جيلاً بعد جيل. هذا الأرشيف العلمي التوثيقي الهائل، تنقل بثباته من حال إلى حال أرقى وأرسخ، حتى أصبح اليوم أرشيف ماضينا متمثلاً في المركز الوطني للوثائق والبحوث.

فقبل أربعة وأربعين عاماً، وتحديداً في العام 1968، وضع المركز أولى ركائزه المعرفية، وضرب أول أطنابه ليقيم بيت المعرفة والعلم والأرشفة والتاريخ، وليكون معيناً ثراً لا ينضب تستقي منه الأجيال على الدوام زاد الحاضر ومنطلق المستقبل من وقفات الماضي وعلاماته ومناراته، إيماناً بأن فهم التاريخ وإدراك تجاربه كفيل بترجمة أصوب الرؤى وأقوم الطموحات.

ليصبح هذا الصرح الوثائقي العتيد من أقدم المراكز الأرشيفية في الخليج العربي، محتضناً بين جنباته ملايين الوثائق الخاصة بدولة الإمارات وشبه الجزيرة العربية، وهو اليوم يحوز بجدارة مرتبة المرجع الوطني الموثق الكبير لتاريخ الإمارات.

ارتباط مذهل بين نشأته وإرهاصات ولادة دولة الاتحاد الميمون، لأنه بدلالته القوية يوحي بأن رؤية الاتحاد كانت منطلقة من ثوابت تدرك قيمة التاريخ وأهمية أحداثه في تقدير الماضي والحاضر، بكل تحولاته القريبة والبعيدة وما يمت بصلة إلى واقعنا ومستقبلنا، لتكون منارة تستند إليها وتستهدي بها الأجيال في طريق المستقبل، وهي رؤية أصيلة تدرك ما للمعرفة من أثر، لا سيما فلسفة التاريخ الرصينة التي تعطي الدروس تلو الدروس في سباقات الزمن وتتالي الأيام.

 ولطالما أعيى تقليب النظر في حوادث الواقع عن إيجاد تفسير واضح لمساراتها، ليقوم الدليل شامخاً من تتابع السنن التاريخية وتكرار محطات الوقائع.

ولا شك أن الوعي بتفاصيل التاريخ وتراكمات أحداثه، ركن ركين في هرم الحضارة والنهضة والتطور، والأمم الناضجة هي التي تولي تاريخها المكانة التي يستحقها، وتحفظه وتحنو عليه لتقدمه جنى يانعاً بين يدي الأجيال المتعاقبة، مما يسهم بالتالي في تعزيز الروح الوطنية وترسيخ معالم الهوية.

وتبقى يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، صاحبة الفضل الأسبق في وضع حجر الأساس لهذا المشروع الكبير، ترجمة لحرصه واهتمامه بماضي هذه الأمة، ورغبته الصادقة الملحة في أن يحفظ أبناء الإمارات تاريخهم، ويدركوا التطورات والأحداث التي مرّت بها الأجيال السابقة، ويستخلصوا الدروس والعبر منها.

ولا تزال القيادة الرشيدة تبذل الجهود والتوجيهات السامية من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لرفد هذا المركز بكل المستلزمات الكفيلة بتطويره وتحديثه بما يحتاج إليه من طاقات بشرية وإمكانيات مادية، ليضطلع بدوره ورسالته السامية، موئلاً للباحثين والدارسين وعشاق المعرفة.

حيث تمكّن على مر السنين من جمع الوثائقِ التاريخية العامة المرتبطة بالمنطقة، من مصادر أمريكية وعربية وبريطانية وهولندية وفرنسية وألمانية ويابانية وعثمانية وفارسية وبرتغالية وروسية وغيرها.

وفوق ذلك، يجمع المركز التاريخ الشّفاهي والروايات المدوَّنة من المواطنين. وتشمل تلك المواد مجموعة كبيرة من الصور والخرائط والكتب والمخطوطات والروايات الشّفاهية والمُدَوَّنة، مشكلاً مخزوناً كبيراً من الوثائق والمعلومات والرسائل والمستندات والاتفاقات والمعاهدات والأخبار والوقائع المتنوعة، عبر التاريخ القديم والحديث.

ثم كانت أبوابه بعد ذلك وإلى اليوم، مفتوحة لكل أبناء الدولة والمنطقة والباحثين والدارسين من كل أنحاء العالم، نظراً لما تحتويه أرشيفاته العالمية من ذخائر تاريخية. وليس مستغرباً عند ذلك أن تبادر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونيسكو"، إلى تصنيفه قبل نهاية القرن الماضي ضمن كبْريات المؤسسات الثقافية العربية، لما يقدمه من خدمات جليلة في مجال التاريخ والتراث والدراسات العلمية الرصينة المتعلقة بتاريخ المنطقة، ولما يحتويه من كنوز معرفية مكتوبة بلغات عدة.

وبتطلع ممزوج بالفخر والاعتزاز، نرجو أن تظل أجنحة هذا المركز ترفرف في ظلال المعرفة على مرّ العصور وتتابع الدهور، وليكون على الدوام رمزاً وطنياً رائداً، يحضن كل الجهود لتنمية المعرفة بالتاريخ وتعزيز مبادئ الثقافة والأصالة والهوية.