بعد انفجار الأزمة العامة للرأسمالية في الولايات المتحدة والدول الرأسمالية المرتبطة بها في خريف 2008، بدت الدول الآسيوية أكثر تماسكا في مواجهة المستقبل.
وكثرت المؤتمرات بين الدول الاقتصادية الصاعدة على المستوى الكوني، للسير في عولمة جديدة أكثر إنسانية من العولمة الغربية السائدة، بجناحيها الأميركي والأوروبي. وكانت آخر تجلياتها مجموعة دول "بريكس" التي تضم البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا، والتي تشكل قرابة نصف سكان العالم وتقدم أكثر من نصف الإنتاج العالمي.
لقد أتيحت لي الفرصة مؤخرا للمشاركة في مؤتمر دولي هام استضافته مدينة إسطنبول خلال يومي 7 و8 يونيو/ حزيران 2012، بدعوة من المركز التركي الآسيوي للدراسات الاستراتيجية. عقد المؤتمر تحت عنوان تساؤلي: "آسيا الموحدة؟ ركائز السياسات، والأمن، والاقتصاد، والثقافة". وبالإضافة إلى حضور كثيف للباحثين الأتراك، استقطب المؤتمر باحثين من أكثر من أربعين دولة غالبيتها الساحقة من الدول الآسيوية، مع تغييب شبه تام للباحثين من الدول الأميركية، والأوروبية، والإفريقية.
كان التركيز واضحا على الدول الآسيوية التي تضم أكثر من ثلاثة مليارات نسمة، ولديها الآن حضور قوي وفاعل في الاقتصاد العالمي. وبدأ التخطيط غير المعلن للمؤتمر بحيث يكون آسيويا بالكامل، من ناحية الحضور، وطرح القضايا النظرية، والنماذج التطبيقية، والنقاشات العامة التي تراوحت بين محبذ لهذا النوع من المؤتمرات على خلفية شعار قديم "آسيا للآسيويين"، مما استدرج ردود فعل غاضبة من جانب مثقفين آسيويين، وبشكل خاص الأتراك منهم، الذين تربوا على مقولات مركزية الثقافة الغربية.
فتخوفوا من هذا المنحى الخطر في التفرد بعقد مؤتمرات ضيقة، تستبعد الثقافة الغربية ومثقفيها من حضور مؤتمرات تتناول موضوعا حساسا، يطرح الوحدة الآسيوية كمدخل لقرن آسيوي جديد يتجاوز عجز الغربيين عن قيادة العالم، بسبب تأزم بلدانهم وقرب الإعلان عن الإفلاس الاقتصادي لبعض الدول الأوروبية، أو خروج بعضها الآخر من دائرة الاتحاد أو العملة الأوروبية الموحدة.
ناقش المؤتمر في خمس جلسات علمية، محاور عدة أبرزها: الاندماج السياسي في آسيا، وجدلية التعاون في المجال الأمني الآسيوي والاندماج الاقتصادي في آسيا، وحركة الاندماج الثقافي بين دول آسيا، ومساهمة في العصف الفكري وتنشيط المنظمات غير الحكومية في مجال الاندماج الآسيوي.
وقدمت في كل جلسة أكثر من عشر مداخلات، تناولت موضوعات تركية بشكل خاص وآسيوية بشكل عام. وبالإضافة إلى نقاشات محدودة في نهاية كل جلسة، خصصت جلسة ختامية هامة لمناقشة مفتوحة تناولت جميع الموضوعات.
لقد تحمس بعض الباحثين للاستمرار في هذا المنحى، ونبه آخرون إلى مخاطر عزل المشكلات الآسيوية عن مثيلاتها في عصر العولمة والثقافة الكونية الواحدة. فالغرب، عبر لغاته، وثقافاته، وجامعاته، وعلومه العصرية، وقواعده العسكرية، ورساميله، وبنوكه، وشركاته التجارية، وإعلامه القوي، حاضر بقوة في جميع الدول الآسيوية، الكبيرة منها والصغيرة.
تضم آسيا دولا عدة متباينة في قضايا كثيرة، فمنها الكبيرة جدا تقابلها دول متناهية الصغر من حيث المساحة والسكان. وقد أنجز بعضها نهضتها القومية، ودخلت الحداثة والمعاصرة من باب المشاركة الفاعلة في إنتاج العلوم العصرية والتكنولوجيا المتطورة، في حين بقيت دول أخرى شديدة التخلف، وتعاني مشكلات داخلية حادة، وانقسامات عرقية وقبلية وطائفية.
باختصار شديد، تحتاج الإجابة على السؤال المطروح بحدة في العنوان "آسيا الموحدة؟"، إلى دراسات معمقة، وليس فقط إلى مداخلات ارتجالية، وخطب حماسية، وتحذيرات مبطنة من مخاطر انغلاق الآسيويين على أنفسهم تحت ستار "آسيا للآسيويين"، في ظل تجاوز مشكلات الحدود الجغرافية، وهيمنة الشركات العابرة للحدود، والتكتلات الاقتصادية الجديدة التي تجمع القارات الخمس على غرار مجموعة "بريكس".
تعاني آسيا اليوم من مشكلات كبيرة، بعضها موروث من مراحل السيطرة الاستعمارية الغربية، وبعضها الآخر ناجم عن عجز دول آسيوية عن بناء دولة عصرية تنبني على مبادئ المواطنة السليمة، والشفافية، والمساءلة، وتكافؤ الفرص. وهي غير قادرة على نشر الرفاه الاجتماعي، والتنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.
وبعد أن فشلت تلك الدول في حل أي من المشكلات الموروثة، أضافت إليها مشكلات حادة على مختلف الصعد السياسية، والاقتصادية، والسكانية، والدينية، والاجتماعية، والثقافية، والجنسية، واللغوية، بالإضافة إلى تفاقم مشكلات البيئة، والتصحر، ونقص المياه، وزيادة نسب الأمية، والبطالة، والفقر، والجريمة، وتعاطي المخدرات وغيرها.
لذلك ركز بعض المداخلات على أوهام الوحدة الآسيوية في منطقة تضم نصف سكان الكرة الأرضية، وتعاني من الحروب والنزاعات الداخلية المستمرة، ومن التاريخ العبء بين أكثر من بلد آسيوي مع دول الجوار.
مما يجعل حركة الاندماج بين المجتمعات الآسيوية حلما صعب المنال في المرحلة الراهنة، بسبب تنامي جذور التعصب القومي والعرقي والديني على خلفية انقسامات سياسية وثقافية حادة، وفي ظل أنظمة عسكرية وديكتاتورية وصلت إلى السلطة من طريق الانقلابات العسكرية، وأمعنت في الفساد والإفساد، واستغلال النفوذ، واستخدام التصفية الجسدية للتخلص من الخصوم السياسيين...
على جانب آخر، طرحت مشكلات العلاقة بين الأنا والآخر في المجتمعات الآسيوية، وهل هي علاقات تفاعلية إيجابية أم تناحرية مدمرة؟ ومن سيقود الوحدة الآسيوية في حال قيامها؟ وما هو موقع الدول الآسيوية الصغيرة أو متوسطة الحجم، في ظل دول عملاقة كالصين والهند اللتين تشكلان معا أكثر من ثلثي سكان القارة الآسيوية؟
وما موقف دول آسيوية، كاليابان وتايوان وكوريا الجنوبية، أقامت مع الغرب تحالفا وثيقا، ووقعت اتفاقيات عسكرية وثقافية واقتصادية ساعدتها على النمو السريع في ظل حماية عسكرية أميركية شكلت الضامن الحقيقي لإنجازاتها العلمية والاقتصادية الكبيرة؟
ورغم الصعوبات الكبيرة أمام حركة الاندماج بين الدول الآسيوية، تبدو آفاق التعاون في ما بينها كبيرة. وذلك يتطلب تنشيط التعاون الإقليمي والثنائي على مختلف الصعد الاقتصادية والمالية والإنمائية، وتصويب الخلل في الميزان التجاري بين دولها.
ومساعدة الدول الغنية والمتطورة تكنولوجيا فيها للدول الفقيرة، بهدف تحسين أوضاعها الداخلية وتعزيز اندماجها في الأسرة الآسيوية، واعتماد سياسة براغماتية تتحاشى الإيديولجيا المتشددة التي تركز على وحدة الدين أو العرق أو القومية الجامعة بين شعوبها، والتي تضعف حركة الوحدة الداخلية في دولها. فالوحدة الآسيوية حلم بعيد المنال، لكن رحلة الآلف ميل إليه تبدأ بتعزيز التنمية المشتركة بين شعوبها.