الواضح أن انتخابات 2012 الرئاسية الأميركية ستكون غير مسبوقة في التاريخ المعاصر، من زاوية ما تمثله من تراجع مخيف في العملية الديمقراطية نفسها. ففضلا عن دور المال الذي لم يعد فقط يختطف إرادة المرشحين كما في السابق، وإنما صار بفضل قرار للمحكمة العليا يقوم بدوره في سرية يستحيل اختراقها، فقد أصدرت الولايات المختلفة قوانين تحرم الملايين من حق التصويت أصلا في نوفمبر القادم.
فخلال العام الماضي، ناقشت حوالي ثمان وثلاثين ولاية أميركية مشروعات قوانين، شعارها المعلن هو منع تزوير الانتخابات، وهدفها الحقيقي حرمان ملايين الأميركيين، وأغلبهم من الأقليات والشباب، من التصويت. وقد تم بالفعل إصدار بعض تلك القوانين في عشر ولايات على الأقل، والبقية تأتي.
وأصل الحكاية أن انتخابات عام 2008 التي فاز فيها أوباما بمنصب الرئاسة، كانت من أكثر الانتخابات الرئاسية التي ارتفعت فيها نسبة التصويت، حيث برز عدد هائل من الناخبين الجدد الذين أدلوا بأصواتهم للمرة الأولى. وقد تبين وقتها أن ثلثي الناخبين الجدد، وأغلبهم من الشباب والأقليات، أعطوا أصواتهم لأوباما.
ومن هنا، قامت حملة شرسة تبنتها منظمات يمينية ومولها أصحاب الملايين الجمهوريين، لإبعاد القطاعات التي تميل نحو الحزب الديمقراطي عن التصويت أصلا، ووضع العراقيل في طريقها. وهم كثفوا جهودهم في الولايات التي يسيطر فيها الجمهوريون على المجالس التشريعية المحلية، حيث يسهل إصدار قوانين تفننوا فيها في اختراع سلسلة من القواعد الجديدة، التي تستهدف في جوهرها الأميركيين من أصل لاتيني وإفريقي، فضلا عن طلاب الجامعات البيض الذين كان لهم دور محوري في حمل أوباما للبيت الأبيض.
فوفق حملة دعاية تزعم أن هدفها منع التزوير وحرمان غير الأميركيين من التصويت، أصدر بعض الولايات قوانين تشترط من بين ما تشترط، إبراز بطاقة هوية حكومية تحمل صورة فوتوغرافية. ورغم أن مثل هذا الشرط يبدو طبيعيا في بعض الدول، إلا أنه في سياق الخصوصية الأميركية يمثل توجها مقصودا، من شأنه أن يحرم الملايين من التصويت.
ففي الكثير من الدول، يلزم للمواطن أن يحمل بطاقة شخصية تكون بما فيها من معلومات، موثقة في قاعدة بيانات رسمية تملكها الدولة، إلا أن الولايات المتحدة استثناء من تلك القاعدة. فلا توجد في أميركا جهة حكومية منوط بها إصدار بطاقة هوية للمواطنين أصلا. وبطاقة الهوية الوحيدة ذات الطابع الحكومي الرسمي، هي جواز السفر. لذلك، يستخدم الأميركيون عادة رخصة القيادة أو بطاقة الضمان الاجتماعي لإثبات الشخصية.
وهناك دلائل عدة تشير إلى أن الهدف هو الحرمان من التصويت، وأن المستهدف هو الأقليات والفقراء وطلبة الجامعات، الذين يميلون للتصويت للحزب الديمقراطي. فبادئ ذي بدء فإن 18% من طلاب الجامعات و25% من الأميركيين من أصل إفريقي، لا يملكون أية بطاقة هوية "حكومية".
فملايين الأميركيين الذين لا يسافرون للخارج، لا يستخرجون جوازات السفر أصلا طوال حياتهم. ورغم أن رخصة القيادة يعتد بها كبطاقة رسمية، إلا أن الذين لا يملكون السيارات وأغلبهم من الفقراء أو طلاب الجامعات، أو سكان الحضر الذين يستخدمون المواصلات العامة، لا يستخرجون رخصة للقيادة. أما بطاقة الضمان الاجتماعي فلا يتم الاعتداد بها كبطاقة هوية "حكومية".
والأخطر من هذا كله، هو صعوبة الحصول على بطاقة هوية. فالحصول عليها يستوجب وجود شهادة ميلاد، لكن الكثير من الأميركيين من أصل إفريقي، تحديدا الذين ولدوا في زمن الفصل العنصري، لم يستخرجوا أصلا شهادات ميلاد، واستخراجها يستلزم وقتا ومالا لا يملكه الفقراء الذين يعملون بالأجر اليومي.
وحتى في حالة استخراج الوثيقة، فإن التثبت من بيانات أخرى للمواطن تستلزم وقتا ومالا إضافيا. وهو ما يعيد إلى الأذهان قوانين زمن العنصرية، التي كان منها اشتراط دفع ضريبة عند التصويت، لم يكن يملكها من خرجوا لتوهم من إرث العبودية أو عملوا في مهن متواضعة بعدها. أما طلاب الجامعات، فتنص تلك القوانين المستحدثة في الولايات، على عدم اعتبار بطاقات الهوية التي تصدرها الجامعات بطاقة هوية يمكن التصويت بها.
ومن الدلائل الصارخة على نية التمييز ضد الطلاب، أن بطاقة الهوية الجامعية لا يعتد بها عند التصويت، بينما رخصة السلاح تعتبر بطاقة رسمية. فالطلاب عادة يميلون للحزب الديمقراطي، بينما المؤمنون بالحق في حمل السلاح الشخصي محافظون يميلون للحزب الجمهوري!
وقد عمدت القوانين الجديدة للولايات، لوقف الإجراءات التي كانت متبعة لتسهيل عملية التصويت، مثل التصويت المبكر الذي كان يخدم تحديدا الفقراء والأقليات الذين لا يملكون ترف الغياب عن العمل. فلأن يوم الاقتراع ليس إجازة رسمية، كان التصويت المبكر يسمح لهؤلاء بالتصويت في عطلة نهاية الأسبوع، أو غيره من العطلات الرسمية.
ولأن الدراسات الموثقة أثبتت أن مزاعم التزوير التي استخدمت مبررا لإصدار تلك القوانين لا تتعدى 007 %، فإن ما يجري في أميركا يمثل سابقة عبر الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون عن خطورتها في لقاء له بالشباب، حين قال لهم إن "من أكثر الحركات السياسية التواء اليوم هي تلك الجهود المنظمة التي يتبناها مشرعو الولايات وحكامها الجمهوريون، والعازمة على حرمان أغلبيتكم من التصويت... فمنذ تخلصنا من قوانين العنصرية، لم أشهد طوال حياتي ما أشهده اليوم من جهود مضنية لحرمان الناس من التصويت".
ورغم أن مثل هذا العمل المنظم من أجل حرمان قطاعات من الناخبين من التصويت يعتبر أحد أشكال تزوير الإرادة الشعبية، فإنه يظل مجرد واحدة من تجليات التراجع المخيف للديمقراطية والحريات المدنية في أميركا. وهو التراجع الذي بدأ منذ بداية عهد بوش الابن، وازداد شراسة بتولي أوباما، وليس العكس.