وجه الرئيس الأميركي باراك أوباما مؤخراً، اتهاماً إلى المنافس المفترض في الانتخابات الرئاسية ميت رومني، لعدم تحلي حملته الانتخابية بالسلوك اللطيف الذي اتبعه المرشح الرئاسي الخاسر جون ماكين عام 2008. لكن فارقاً أكثر وضوحا يمكن أن تتم ملاحظته في الرئيس أوباما نفسه، الذي لا يحمل أسلوبه وسجله شبهاً بأيام مجده التي امتدت لأربع سنوات.
أخيراً، يطمئن الرئيس المانحين الديمقراطيين بأن الإنجاز الذي حققه، وهو خطة الرعاية، يمكن أن يتم تعديله في فترة ولايته الثانية، وهو أمر تعهّد الجمهوريون القيام به على مدى السنوات الثلاث الماضية
. يا له من تطور! فقد انتقلنا من أن يقال لنا إننا سنحب خطة الرعاية، إلى منح إعفاءات منها للشركات المفضلة، إلى الضمانات الخاصة لتعديل الخطة بعد إعادة انتخابه، كل ذلك قبل أن يتم تنفيذها بشكل كامل. إن دعوات أوباما للتحلي بكياسة جديدة منذ أربعة أعوام، على ما يبدو غير قابلة للتنفيذ.
والتعهد بـ"معاقبة أعدائنا"، وتخويف مانحي حملة رومني، هما أمران بعيدان كل البعد عن الخطاب المتصاعد في "عمود النصر" في برلين وحملة "نعم نستطيع". لقد دعا أوباما يوما ما إلى التركيز على القضايا بدلاً من الإهانة الشخصية، ولكننا الآن نسمع مرة أخرى بشكل غامض عن كلب رومني، وزوجات أجداده، وحادث اشتباك قبل 50 عاما عندما كان في المدرسة الإعدادية.
شعار "الأمل والتغيير" من أجل وحدة وطنية جديدة، أفسح مجالاً لانقسام جديد شعاره "نحن في مواجهتهم". شعار "نحن" يعني الآن كل أنواع المناشدات المستهدفة لتحديد هوية الفئات، مثل الأميركيين من أصل إفريقي لأوباما، أو اللاتينيين لأوباما، أو الخضر لأوباما، أو الطلاب لأوباما.
أما شعار "هم"، في المقابل، فهو يعني كل شخص آخر لا يستطيع فرض شروطه أو يعتبر ضمن دائرة انتخابية ذات قضية واحدة. في عام 2008، كان من المفترض أن توحّد استراتيجية أوباما فئات متفرقة عبر رؤية مشتركة، وفي عام 2012 فإن استراتيجيته هي حشد المصالح الخاصة من خلال أعداء مشتركين.
هل تتذكرون أوباما الذي وعد بوضع حد لسياسة الباب الدوار لجماعات الضغط وأموال المصالح الخاصة؟ بعد ذلك جاء أمثال أو رزاغ بيتر، الذي انتقل من منصب الإشراف على ميزانية أوباما إلى أحد أقطاب مجموعة "سيتي غروب"، وقرصان المال جون كورزاين، الذي لا يمكنه أن يحدد أين ذهب مبلغ يتجاوز 1.5 مليار دولار من أموال المستثمرين، لكن يمكنه أن يحشد أموالاً من أجل حملة إعادة انتخاب أوباما.
فلو قيل للأنصار المتحمسين في عام 2008، إنه بحلول مطلع العام 2012 سوف يسجل أوباما رقماً قياسياً لأكثر مناسبات استقبال جامعي التبرعات والاحتفاء بهم في تاريخ الرئاسة الأميركية، لكانوا قد اعتقدوا أن ذلك من قبيل الهرطقة.
يقال إن أوباما سيمضي إلى ما يتجاوز كل الأسماء المدرجة في قائمة اغتيال الشخصيات المستهدفة بهجمات الطائرات الموجّهة عن بعد، وهي قائمة قتل تضمنت عدداً أكبر سبع مرات في أقل من أربع سنوات، مما تراكم في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في ثماني سنوات، ولا يزال معتقل غوانتانامو مفتوحا الآن كما كان في عام 2008.
فلو أن هارولد كوه، وهو مؤيد لأوباما والعميد السابق لكلية الحقوق في جامعة "يال"، اتهم الرئيس الأميركي جورج بوش بكونه "رئيس الجلادين"، يقول إن قصف ليبيا ليس في الحقيقة حرباً، وأن اعتقال مواطن أميركي في اليمن مشتبه بأنه إرهابي هو أمر قانوني تماماً.. وعمليات الترحيل السيئة من قبل، والاعتقالات الوقائية، والمحاكم العسكرية، كل ذلك يعتبر الآن أمراً جيداً.
قفز بعض المحافظين الساخطين إلى السفينة عام 2008، من أجل أوباما المفترض أنه مغلول اليدين، عندما دعا إلى خفض العجز في أربع سنوات، وسخر من جورج بوش لكونه "غير وطني" لإضافة 4 تريليونات دولار إلى الدين القومي الأميركي. إلا أن أوباما بالفعل فاق مقدار الاقتراض في عهد بوش، خلال أقل من أربع سنوات. فما الذي يفسر هذا التغيير الجذري في المزاج عما كان عليه قبل أربع سنوات؟
ربما يكون النموذج المحافظ للحكومة الكبيرة وزيادة الاستحقاقات والضرائب المرتفعة خطاباً جيداً، لكنها بمثابة واقع غير سليم. فعملية إعادة التوزيع لا تخدم سكاناً يتسمون بالثبات في العدد ويعانون الشيخوخة في عالم تنافسي، كما نرى من كاليفورنيا إلى جنوب أوروبا.
لقد كان شعار "الأمل والتغيير" سائداً في عام 2008، ومنذ ذلك الحين حلّ محله واقع الأربعين شهراً المتوالية، لحالة بطالة تجاوزت نسبتها 8% ومعدلات عجز قياسي في الموازنة، رغم معدلات فائدة أولية تقترب من الصفر بلغت قيمتها خمسة مليارات دولار، فضلاً عن الزيادات الهائلة في استحقاق الإنفاق.
تفاخر أوباما باستخراج المزيد من النفط، رغم أن جهوده يفترض أن تكون محاولة ذكية تروق لكل من الخضر والشركات. وتعتبر شركات الاستثمار في الأسهم الخاصة جيدة بالنسبة للتبرعات للحملات الانتخابية، ولكنها سيئة عندما يديرها منافس جمهوري. شعار "رومني يفعل الأسوأ" بدلاً من شعار "أحسنت العمل"، هو الموضوع الضمني لحملة أوباما في عام 2012.
ولكي يعاد انتخابه، يعتقد أوباما الآن أنه يجب أن يُذكي مخاوف البعض منا، بدلاً من استقطاب جميع آمالنا من خلال الدفاع عن سجل ناجح، في حين يتم تشويه السياسة القديمة بدلاً من استلهام الجديد. وربما يكون هذا الحساب الساخر والتحوط الثابت والتخبط، أموراً طبيعية بالنسبة للسياسيين، ولكنها في نهاية المطاف تثبت أنها كارثة على الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم روادا مثاليين.