وصلت رسالة جامعة كامبريدج فجأة تحمل التساؤل عما إذا كان هناك أحد يدرس اللغة العربية فيها، وكان ذلك عام 1940 بعيد اندلاع الحرب بين بريطانيا وألمانيا. وقد تصادف في ذلك الحين أنه كان هناك طالب واحد يدرس اللغة العربية في جامعة كامبريدج، وكنت أنا هذا الطالب.
طـُلب مني السفر إلى لندن، والتوجه إلى مقر هيئة الإذاعة البريطانية لإجراء مقابلة معي، وفي المقر الرئيسي للهيئة تم استقبالي وسئلت عن دراساتي باللغة العربية، وكان الرجل الذي يجري المقابلة معي موغلا في العمر، وسألني عن الكتـّاب الذين كنت أقوم بدراستهم، فذكرت الطبري وكتاب "الكامل" للمبرد.
وقد بدا أن اسم الطبري يعني شيئا بالنسبة له، ولكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لكتاب "الكامل"، ثم أبلغني بأن نشرة أخبار باللغة العربية سيتم بثها قريبا، وسوف يصحبني إلى الاستوديو لسماعها، وقال لي إن هيئة الإذاعة البريطانية تحتاج إلى شخص يعمل مساعدا لمنظم البرامج، فهل أرغب في الحصول على هذه الوظيفة؟
قلت إنه ما من شيء سيدخل السرور على نفسي أكثر من العمل في بث نشرات الأخبار باللغة العربية، ثم انطلقنا إلى الاستوديو واستمعنا إلى نشرة أخبار استمرت ربع ساعة. كانت لغتي العربية في ذلك الوقت محدودة للغاية، ولم أفهم إلا بالكاد أي خبر من الأخبار التي وردت في النشرة، وأدهشني أن الشخص الذي يفترض أنه يجري المقابلة معي لم يسع إلى معرفة مدى فهمي للنشرة، ثم انتهت المقابلة مع قيام من أجراها بإبلاغي أن هيئة الإذاعة البريطانية سوف تتصل بي في وقت لاحق.
عندما وصل الفصل الدراسي الجامعي إلى نهايته، مضيت إلى لندن والتقيت باثنين من أصدقائي الهنود، ولم تكن باكستان قد تشكلت بعد، وكان كلاهما قد ساعدني في دراستي للغة الأوردية. والحقيقة أن أدائي في امتحانات اللغة الأوردية كان أفضل من أدائي في امتحانات اللغة العربية.
وبعد أسبوع أو أسبوعين تلقيت خبرا من هيئة الإذاعة البريطانية، مفاده أن الخدمة العربية بالهيئة يجري نقلها إلى قرية في أطراف لندن بسبب القصف الذي تتعرض له العاصمة البريطانية من قبل الألمان، وأنني سوف أتلقى أخبارا منهم عما قريب.
وجدت نفسي بالفعل في بلدة صغيرة تحمل اسم "إفشام"، لا تبعد كثيرا عن مدينة أوكسفورد التي تضم الجامعة الشهيرة، وعندئذ تم إبلاغي بأنني سأعمل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، وسوف تدفع لي ثلاثة جنيهات استرلينية أسبوعيا. .
لم يعن ذلك الكثير بالنسبة لي، إلى أن اكتشفت أن كل موظف يقيم مع عائلة محلية، ويتعين عليه دفع ثلاثة جنيهات وثلاثة شلنات أسبوعيا، مقابل السكن لديها والحصول على وجبتي الإفطار والعشاء. وهكذا اكتشفت أنه بالإضافة إلى مشكلة أجري الذي لا يتجاوز 3 جنيهات أسبوعيا، يتعين أن أدفع من جيبي الشلنات الثلاثة الإضافية.
ناقشت الأمر بالفعل مع رئيسي في العمل، وأكدت له أنني أتلقى أجرا غير ملائم، ولم يأخذ شكواي مأخذ الجد، بل قال لي بوقاحة إنني ربما كنت أفضل أن أكون في صفوف الجيش. فرددت قائلا: في الجيش سيتاح لي على الأقل الحصول على مرقد لي وثلاث وجبات يوميا، بل وبعض الشلنات لأبتاع علبة سجائر لي، أما الآن فإنني مضطر للدفع مقابل متعة العمل هنا.
ذهل رئيسي في العمل حيال صراحة ردي، ومع أنه لم يعجبه هذا الرد، فإنه اضطر للاعتراف بحقيقة أنني أحصل على راتب متدن على نحو سيئ، فرفع أجري الأسبوعي إلى خمسة جنيهات. وقد ابتهج الإنجليز الآخرون العاملون في القسم العربي، لوجود شاب يعمل معهم ويبقى حتى النشرة المسائية، ويقوم بأداء ما كان يعرف برقابة الإيقاف.
والتي تتمثل في الجلوس إلى جانب زر صغير يمكن الضغط عليه إذا شرع مذيع النشرة فجأة في الخروج عن النص الذي يقرؤه. وكان معنى ذلك أن بمقدور كل الإنجليز الآخرين الذهاب إلى بيوتهم مبكرين وتناول العشاء مع عائلاتهم.
في نهاية المطاف اتضح أن البقاء في المسكن الجماعي، الذي يقطن فيه عرب حصريا، قد حقق لي معرفة أفضل باللغة العربية، وعهدت إلي مهمة تدقيق جميع الترجمات من الإنجليزية إلى العربية، وقد حسن هذا أيضا من تمكني من ناصية اللغة العربية.
كنت طوال هذا الوقت أتقاسم مكتبا مع رئيسي في العمل، ولما كنت أرغب في أن يكون لي مكتبي الخاص فقد اشتريت غليونا كبيرا، اعتدت أن أدخن فيه خليطا رخيصا من الأعشاب كان يباع للذين لا يستطيعون دفع ثمن التبغ. وقد كان ذلك أرخص كثيرا من السجائر.
ولكنه تسبب في امتلاء المكتب بقدر هائل من الدخان الخانق، كما لو كان ناجما عن حريق في غابة. وعندما اعترض رئيسي في العمل على ذلك، قلت له إن الراتب الذي أتلقاه ليس كافيا لشراء سجائر، وبالتالي فإنني مضطر لتدخين هذا الخليط.
وجدت نفسي فجأة وقد حظيت بمكتب صغير مخصص لي وحدي، بل ألحقت بمكتبي سكرتيرة خاصة، وكانت فتاة لطيفة تقتني قطة كنا نحضرها سويا إلى المكتب، جنبا إلى جنب مع صينية لطعامها وأخرى مليئة بالتراب مخصصة لفضلاتها.
لم يدخل أي من هذا كله السرور على نفس رئيسي في العمل، ولكن بعد ذلك بوقت قصير انتهت الحرب، وسمح لي بالتخلي عن وظيفتي في هيئة الإذاعة البريطانية والالتحاق بالعمل في تدريس اللغة العربية في المجلس البريطاني في القاهرة.
وهنا أيضا وجدت نفسي مع رئيس في العمل لم أستطع التأقلم معه، وتمكنت من الانتقال سعيدا للعمل كمحاضر في جامعة فؤاد الأول التي تدعى الآن جامعة القاهرة، وهناك تعرفت بالكثير من الأصدقاء.