ثلاثة انجازات رئيسية على مدى الشهور الماضية في مصر هي انتخابات مجلس الشعب، وانتخابات مجلس الشورى، وانتخاب لجنة الدستور، شكلت خلفية الصورة كمعالم أساسية على طريق التحول الديمقراطي، حققها الشعب المصري بإرادة حرة لأول مرة في تاريخه بفضل ثورة يناير الشعبية، وبتصميم الإدارة العسكرية.

وبمشاركة القوى الوطنية، بكل آثارها على مستقبل الحياة السياسية ما بعد الانتقال السلمي والديمقراطي للسلطة من الإدارة العسكرية إلى الإدارة المدنية، انتقالا من الثورة إلى الدولة.

وثلاثة ملفات رئيسية على مدى الأسابيع الماضية هى الانتخابات الرئاسية، والأحكام القضائية، والصياغة الدستورية، شغلت باحتمالاتها المتغيرة، وما تزال تشغل بآثارها المتفجرة عقل وقلب مصر كلها، على المستويات الشعبية والرسمية والعسكرية والمدنية والسياسية والقانونية، وعلى مستقبل العملية السياسية انتقالا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، ومن الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية.

في الملف الرئاسي، ومع بدء انتخابات جولة الإعادة بين الدكتور محمد مرسي ذو المرجعية الإخوانية الذي يقدم نفسه تحت علم الثورة بينما يصفه خصومه بأنه ممثل مشروع « السلطة الدينية»، والدكتور أحمد شفيق ذو الخلفية العسكرية الذي يقدم نفسه تحت علم «السلطة المدنية».

بينما يصفه خصومه بأنه ممثل مشروع «الثورة المضادة». وبنهاية تصويت المصريين في الخارج لصالح الدكتور مرسي بنسبة 75%، يثور السؤال، ترى هل تشكل هذه النسبة الكاسحة مؤشرا لما سيجري اليوم في تصويت المصريين بالداخل، أم تكون المفاجأة المغايرة لجل التوقعات؟

والواقع أنه في ظل حصول كل منهما على نسبة متقاربة في انتخابات الجولة الأولى بفارق طفيف لصالح الدكتور مرسي، وفي ظل حالة الاستقطاب السياسي الحاد بين مؤيدي المرشحين، وحالة من الرفض الحار لكليهما من قطاع عريض من الناخبين المنتمين للتيار الثوري بين «مبطلون « و» مقاطعون».

وفي ظل حالة السيولة في وجهة أصوات الملايين العشرة التي سترجح الميزان بأجواء الحرية الانتخابية، فلا أحد يعلم يقينا قبل الإعلان الرسمي من هو الرئيس القادم للجمهورية الثالثة. وهذا دليل على سلامة العملية الديمقراطية التي ـ للمفارقة ـ تجريها السلطة العسكرية!

وفي الملف القضائي، ومع احتمالات حسم المحكمة الدستورية العليا قبيل الانتخابات الرئاسية لمدى دستورية قانونين من أكثر القوانين إثارة للجدل السياسي الحاد وللسجال الإعلامي الحار في مصر، هما قانون مباشرة الحقوق السياسية بعد تعديله المشوب بالعوار الدستوري من جانب مجلس الشعب بأغلبيته الإسلامية الإخوانية والسلفية، بما يرجح الحكم بعدم دستوريته.

وقانون الانتخابات البرلمانية بعد تعديله المشوب بالعوار الدستوري بضغط شديد على المجلس العسكري من المظاهرات الثورية وبإصرار غريب للأحزاب السياسية الليبرالية، بما يرجح الحكم بعدم دستوريته، وأيا كانت الأحكام فسوف ينتج عنها إما إعادة انتخابات الرئاسة، أو إعادة انتخابات البرلمان، أو الاثنين معاً.

فوفقا لتقرير هيئة المفوضين، فالبطلان وارد لقانون العزل لأنه يعاقب على مجرد تولي الوظيفة العامة، دون ثبوت المشاركة في الفساد، كما يعاقب بالحرمان السياسي، دون حكم قضائي، ولأنه قانون انتقائي حيث يستبعد رئيس الوزراء، ويبقى على الوزراء.

ويستبعد مسؤولين بالحزب الوطني، ويبقى على آخرين. بما يترتب على بطلانه من استمرار الانتخابات الرئاسية وقانونية ترشح الفريق شفيق، والبطلان وارد لقانون البرلمان، لتحديده ثلثى مقاعد البرلمان للقوائم الحزبية مع أنها عدديا أقل من ثلث الشعب.

والثلث فقط للمستقلين رغم أنهم يزيدون عن ثلثي الشعب، والأدهى السماح للأحزاب بمنافسة المستقلين على المقاعد الفردية، بما يمثل إخلالا جسيما بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، بالمخالفة للقواعد الدستورية، بما يترتب عليه من تجميد جلسات البرلمان بغرفتيه، أو حله وإجراء انتخابات برلمانية جديدة. وفي الملف الدستوري، فإن إتمام تشكيل الجمعية التأسيسية لإعداد مشروع الدستور بقانون من مجلس الشعب قد حمى العملية الدستورية من التجميد.

وبالتالي حدوث فراغ برلماني وجمود دستوري، الأمر الذي كان من الممكن وقوعه لو أن تشكيل اللجنة الدستورية تأخر إلى ما بعد صدور الحكم ببطلان قانون مجلس الشعب، ولهذا صمم المجلس العسكري على ضرورة انجاز التشكيل قبل إعادة الحكم وقبل الانتخابات. وبناء عليه سيظل الإعلان الدستوري حاكما إلى أن يتم استفتاء الشعب على الدستور الجديد.

وانتقال سلطة التشريع إلى المجلس العسكري إلى حين انتخاب رئيس الجمهورية الجديد. يجري التعامل مع هذه الملفات الثلاثة المتفجرة بكل ما سيترتب عليها من استحقاقات وضرائب سياسية وأمنية واقتصادية، مع ما سيتبع كل ملف من انقسام في المواقف الحزبية والثورية ما بين مؤيد ومعارض.

وقد تتطور المعارضة السياسية والجدالات القانونية والسجالات الإعلامية إلى محاولات لإثارة الاضطرابات والصدامات والفوضى الأمر الذي دفع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى التصميم على تأمين الانتخابات والمحاكم بقوة، وتحذير كل من يحاول الاعتراض على نتائج الأحكام القضائية أو على نتائج الانتخابات الرئاسية من اللعب بالنار، الأمر الذي يقف فيه الجيش والشعب ثانية في خندق واحد حماية للشرعية الدستورية وللإرادة الشعبية.

أخيرا، فليست مصر وحدها هي التي تعايش هذه التحولات التاريخية وتدفع تكاليفها بكل تأثيراتها على من حولها، فالأمة كلها في مشهد جديد تعاد فيه كتابة التاريخ من جانب شعوبها ومحاولات إعادة رسم الخرائط، من جانب أعدائها، بما يصبح بمقدورنا القول بوضوح إن الأمة الإسلامية عموما والعالم العربي خصوصا، يتحرك الآن في اتجاه عصر جديد هو «عصر الشعوب».

حركة التاريخ في منطقتنا دخلت طوراً جديداً من التغيير المبرر استجابة لمطالب شعبية وطنية، لكنها تواجه نوعا من التغيير المقرر تنفيذا لأغراض غير عربية، حيث نقع في دائرة مشروعين استراتيجيين متضادين، الأول حضاري عربي إسلامي تحقيقا لتطلعات شعوبنا وأوطاننا، والثاني غربي صهيوني تنفيذاً لمآرب أعداء شعوبنا وأوطاننا.

وهنا، يلزمنا رؤية واضحة حتى لا تختلط علينا الصور بخداع البصر، فإذا العدو صديقا وإذا الصديق عدوا، أو تتشابه علينا المفاهيم بين الفتنة والثورة والحرية والفوضى، سعيا للتغيير، فنسقط دون قصد في فخاخ تنفيذ ما يراد بنا، ظنا منا بالوهم أو بالتمني أننا نحقق ما نريده لنا، وحذار من أن نخطئ الطريق!