لا نختلف على أن في الشباب طاقة مهولة يجب أن تُستغل ويُصار إلى ترويضها بكل ما هو مفيد وجديد، فالشاب يتمتع بالفكر والابتكار، والرغبة في التجديد، والانطلاق من الجمود والقيود التي قد تحُدُّ من مكانته أو إمكاناته وقدراته، فإن استُعمل في المكان المناسب أدى وعمل واخترع، وإن زُجَّ به في غير مكانه أو ما يخالف مبتغاه رأيته يزيد البطالة ببطالة مقنعة، بل ربما أصبح حجر عثرة في طريق النجاح إلى أن يكبر على هذا الحال، ثم يقف صفاً في طابور المحبطين.

ولذلك وجب استغلال هذه الطاقات بما هو في صالح المجتمع وبما يفيد إنتاجه. ولا بد من أن تصل ثقافة الشباب وعلمهم منذ نشأتهم الأولى، إلى القناعة بقبول أي من الأعمال بشتى أنواعها ونواحيها، فإن كانت حرفة أو صنعة أو مهنة أو إدارة أو عملا ميدانياً، تقبّلها وأدّاها بصدرٍ رحبٍ راغبٍ في الإنتاج. ويجب أن يصل قبول مثل هذه الأعمال إلى قناعته وثقافته من خلال دراسة مبكرة لرغباته ومهاراته الابتكارية، لا أن يسير في ركب التعليم الروتيني ليكون ضمن مخرجات التعليم، التي تشكل عائقاً للتقدم في مسيرة التطور والحضارة.

ولأهمية الموضوع، يجب عمل دراسة متأنية لأحوال الشباب في الوطن العربي عموماً والخليج العربي خصوصاً، ولا نغترّ بالدعوات الخارجية الوافدة إلينا من خلال تنظيمات أو منظمات غربية تنفخ في الشباب لتشعل نارهم نحو حكوماتهم، بدعوى عدم منحهم الفرص أو توفيرها لهم، وهم أنفسهم يعملون على غير منهجنا أو تطبيقاتنا. ولننظر إلى الأمر بعين المنطق والعقل، فإذا كان الشباب اليوم يطمح جاهداً لاعتلاء أعلى المناصب بأقصى سرعة، ومن ثم فإن الأغلب سوف يصبح مسؤولاً والقلة موظفين، وهذه المعادلة لن تستقيم بأيّ حال، وإلا لأصبح عدد المديرين أكثر من عدد العاملين.

وعليه يجب على الشباب أن يقتنع بالمضي في سُلّم العمل بالتدريج، إلى أن يرقى إلى المنصب الذي يستأهله، لأننا لو خالفنا هذه القاعدة لوجدنا أن ذاك الشاب نفسه الذي عُين في منصب قيادي اليوم، سوف يُستغنى عنه سريعاً، ومن ثم يصطف في طابور المتقاعدين ويصبح "مت قاعد"، وتدور الدائرة على غيره.. وهكذا دواليك. وفي كل الأحوال لا يمكن للشباب أن يطالب بذلك تعللا وأسوة بالأجيال السابقة الأولى، لأن دولة الإمارات بلد فتي عمره أربعون عاماً.

وكان لجيله الأول دور الريادة نظراً لقلة عدد المواطنين الجامعيين أو المتعلمين أساساً في ذلك الوقت، أما اليوم فلا يمكن الاستغناء أو الإلقاء بكل هذه الطاقات الكامنة في أربعة أجيال سابقة، والاعتماد على جيل اليوم فقط بدعوى إعطاء الفرصة للشباب.

نعم؛ الشباب طاقة، ولكن لا بد لهذه الطاقات من قيود منظمة، لا أن يُترك لها الحبل على الغارب. وإذا كان البعض يطالب بتحقيق مطالب الشباب في العالم العربي بزعم أنهم طاقات تستوجب الأخذ بيدها، فهذا أمر لا ننكره، ولكن هل يصل الأمر إلى إعطاء الشباب كل الحقوق على حساب الخبرة والدراية الكامنة في عقول وفكر الكبار؟

لا نريد أن نَنْجَرّ للظواهر أو المظاهر الغربية، فالغرب وإن ظهر في الصورة لديهم شابٌ، فهو حقيقة يدار من خلال خبراء كل منهم يُغطي الشيب رأسه، وليس شيباً جاء من كثرة التعرّض لأشعة الشمس ولا من كثرة استخدام المياه المالحة، بل جاء إثر خبرةٍ ودرايةٍ مديدة.

ولأطرح سؤالاً سياسياً في ظل هذا الموضوع على النسق ذاته، وهو ما يجري إليه سياق الحديث؛ ماذا فعل الشباب لدولهم من واقع التجارب العملية؟! من القذافـي الذي استلم السلطة وهو ابن تسع وعشرين سنة، إلى علي عبد الله صالح الذي استلمها وهو برتبة ملازم؟!

على كلّ.. لنعد إلى البداية، ولندْعُ الشباب والقيادة إلى إحكام المصلحة العامة على المصالح الآنية الفردية، وإلى الاحتراز من إرضاء طبقة على حساب طبقة، فالكبار أو العجزة أيضاً لهم إحساس وإدراك، وربما كانت ردة فعلهم أحياناً أصعب وأكبر من الشباب الذين يغلب على بعضهم التهور في كثير الأحيان.

وقد يقول البعض إن بعض هؤلاء العجزة أضاع كرامتنا لعدم خوضهم حروباً، ولكن المنطق والعقل يستمد من القرآن حكماً شرعياً مفاده «وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ»، (سورة الأنفال ـ آية 60).

وبالتالي فليس من المنطق أن نخوض بالشعوب حروباً خاسرة بدعوى إثبات الكرامة، فهذا منطق التهور والغوغائية، وربما حفظ المرء لماء وجهه أهمّ من أن تحط كرامته أكثر مما هي عليه بسبب الوهن والضعف الذي يعانيه.

ولا يفهم الشباب مقالي بسوء ظن، فأنا ما زلت ضمن طبقة الشباب، ولكن لا نريد أن نفقد الخبرات المتراكمة بدعوى الثورة الشبابية، فلا ننسى أن آباءنا وإخوتنا الكبار كانوا يوماً شباباً، وإن عقولهم اليوم تزن بلداً، كما يقال.