حين غادر الربيع العربي تونس لم يترك في ساحاتها سوى القليل من بقع الدماء، إلا أن الحال مختلف تماماً في بلاد الشام، فساحاتها قد أغرقت بالدماء وهذا الربيع لمّا يغادرها بعد. خمسة عشر شهراً مضت والوضع في سوريا في تفاقم مستمر، عجز النظام الحاكم خلالها عن حسم الموقف لمصلحته، وعجز المعارضون له كذلك عن إرغامه على الرحيل.

مقابل ذلك فشلت الجهود التي بذلتها الجامعة العربية في وقف نزيف الدم ونزع فتيل الأزمة، ولا يبدو أن هناك فرصة حقيقية أمام كوفي أنان المفوض من قبل الجامعة العربية والأمم المتحدة، للنجاح في مهمته بعد أن تعذر تنفيذ خطته على أرض الواقع. فقد أصبحت هذه المهمة بحكم الميتة، بعد أن رفض النظام القائم عملياً الالتزام بها من جهة، وبعد أن أعلن الطرف المعارض مؤخراً تخليه عنها من جهة أخرى. فما الذي سيجري بعد ذلك؟

النظام السوري في عزلة خانقة عربياً ودولياً، محاصر سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً، وتشير مسارات الأحداث إلى أن ساعة الحسم قد لا تكون بعيدة، خاصة بعد أن وفرت الجامعة العربية غطاء شرعياً لذلك، حين طالب المجلس الوزاري لها في اجتماعه الذي عقد في الدوحة في الثاني من يونيو الجاري، مجلس الأمن الدولي بتطبيق خطة كوفي أنان عبر اعتماد الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما تحفظت عليه كل من العراق والجزائر ولبنان.

وهذه دعوة صريحة لنزع الشرعية عن النظام القائم في سوريا ووضعه، كما وضع العراق عام 1991، تحت تصرف الأمم المتحدة. صحيح أن طلب المجلس هذا يخلو من الإشارة الصريحة لوجوب اللجوء لخيار القوة للتعامل معه، إلا أن هذا الخيار منصوص عليه ضمنياً في الفصل السابع نفسه. فالمادة 42 الواردة ضمن هذا الفصل، تنص صراحة على جواز استخدام "القوات الجوية والبحرية والبرية وما يلزم من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه".

فهل سنشهد تدخلاً عسكرياً قريباً لإرغام نظام الرئيس الأسد على الرحيل؟ أم سيُترك الشعب السوري لمصير يقرره التناحر القائم الذي بدأ يتخذ منحى خطيراً غير مسبوق في مستوى التوحش، ينذر بانهيار شامل كما ورد في التحذير الذي أطلقه المندوب الأممي كوفي عنان؟

فخطورة الصراع القائم واحتمال تحوله إلى حرب أهلية شاملة، قد لا تتمكن الحدود الجغرافية لسوريا من منع تسللها وانتقالها إلى بقية أرجاء منطقة الشرق الأوسط الحبلى بالتشنجات، يضع القوى العظمى أمام اختبار حقيقي للمبادئ التي تنادي بها. ففي الوقت الذي تصر فيه موسكو على موقفها الرافض لأي تدخل عسكري وتؤكد رغبتها القيام بكل ما بوسعها لتجنب نشوب حرب أهلية شاملة في سوريا، ترى واشنطن أن فرص نشوب هذه الحرب ستكون أكبر إذا لم يتحرك العالم ويحسم الصراع.

لقد اعتدنا سماع تصريحات مسؤولين غربيين كبار، عسكريين ومدنيين، بأن الناتو ليست لديه خطط للتدخل العسكري في سوريا، بل سمعنا أن مبدأ التدخل العسكري في سوريا مرفوض أصلاً. ولكن عالم السياسة يخلو من الثوابت، ويبقى الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، القوة الفاعلة التي ستقرر مسار الصراع في سوريا ومصيره وفق موازنات الربح والخسارة، وليس غير، على الأمدين القريب والبعيد. فهناك تصاعد في حدة الموقف الغربي تجاه النظام الحاكم في سوريا، وتغير في لهجة التصريحات التي تصدر عن المسؤولين الغربيين مع استمرار تدهور الأوضاع في سوريا.

المؤشرات عن قرب التدخل العسكري الخارجي لحسم الموقف ضد النظام، يمكن قراءتها من خلال الأحداث التي سبقت توصية المجلس الوزاري هذه، فقد طرد معظم الدول الغربية السفراء السوريين من عواصمها، دافعة بالعلاقات مع دمشق ونظامها القائم إلى نقطة اللاعودة، أعقبتها تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة بأن بقاء الرئيس الأسد ليس من الثوابت في موقف روسيا من الأزمة، في مؤشر هام عن بداية تغير في موقف روسيا، التي دعمت النظام السوري وحمته بالتنسيق مع الصين منذ بدء الأزمة.

أما على مستوى تصريحات المسؤولين الأميركيين، فيستوقفنا ما صرحت به سوزان رايس سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، في الحادي والثلاثين من مايو المنصرم: "إن القيام بعمل عسكري دون تفويض من الأمم المتحدة، قد يكون ضرورياً إذا لم يتفق مجلس الأمن الدولي على إجراءات سريعة لحمل سوريا على إنهاء حملتها على المعارضة". ثم تصريح ليون بانيتا وزير الدفاع الأميركي بعد يوم واحد من تصريح رايس بأن بلاده "مستعدة لأي عمل عسكري في سوريا قد يكون ضرورياً، لكنها لا تزال تركز على مزيد من الضغوط على نظام الرئيس بشار الأسد".

وأضاف بانيتا أن "العمل العسكري يجب أن يحظى بموافقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة"، مما ترك المتابعين للشأن السوري في حيرة أمام هذه الإشارات غير المتناغمة، التي تصدر عن مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية.

ومما يعزز الرأي بأن الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، يقف في صالح خيار إقصاء النظام السوري، أن هذا النظام يعتبر من العوائق أمام عملية التغيير التي تبشر بها الولايات المتحدة في المنطقة، إلا أن مما يثبط من عزيمتها في هذا الصدد ويسم مواقفها بالتردد، هو ما تمخضت عنه الثورات في كل من تونس وليبيا ومصر، ومجيء حكومات لا تتفق في أيديولوجياتها .

وفي أساليب عملها مع النهج الليبرالي الذي تسوقه الولايات المتحدة. ومراعاة لهذه الناحية شديدة الحساسية حرصت المعارضة السورية، رغم ما تؤاخذ عليه من تشرذم يعتبره البعض أحد أسباب غياب الجهد الدولي المؤثر لمؤازرتها، على تقديم أحد الوجوه الليبرالية المقيمة في أوروبا رئيساً لأول مجلس وطني سوري، والتمسك بهذا الحرص في انتخاب وجه ليبرالي آخر من المقيمين في أوروبا مؤخراً خلفا للأول.

ويبقى قرار التدخل العسكري في سوريا خاضعاً، في المرحلة الحالية، لحسابات سياسية أميركية داخلية، تتعلق بمدى تأثيره على فرص الرئيس أوباما للفوز بفترة رئاسية ثانية.