انشغلت الساحة السياسية الأميركية الأسبوع الماضي، بتحليل نتائج انتخابات مهمة جرت في ولاية صغيرة، وما قد تعنيه بالنسبة لفرص أوباما في الفوز بولاية ثانية. فرغم أن ولاية ويسكنسن بالفعل ولاية صغيرة، إلا أنها شهدت أحداثا بالغة السخونة طوال العام ونصف العام الأخيرين، مما جعل لما يجري فيها أهمية خاصة. فهي شهدت حركة احتجاجية ضخمة انطلقت في 2011، وكانت الشرارة الأولى والملهم الأساسي لما عرف فيما بعد باسم حركة "احتلوا وول ستريت" التي عمت الولايات المتحدة كلها، بل وتخطت الحدود الأميركية إلى بعض الدول الأوروبية.

فقد خرجت مظاهرات حاشدة في فبراير 2011 ضد حاكم الولاية الجمهوري سكوت واكر. فالرجل منذ توليه في 2010، ضمن عدد كبير من الرموز التي دعمها تيار حلف الشاي اليميني، خفّض الضرائب على الشركات الكبرى، بينما أجبر الاتحادات العمالية والمهنية على تقديم تنازلات تتعلق بالتأمينات والمعاشات. ثم راح يسعى من خلال المجلس التشريعي للولاية، الذي يسيطر عليه حزبه، لإصدار قانون يفرغ دور الاتحادات من محتواها، عبر حرمانها من حقها في التفاوض الجماعي باسم أعضائها، فانطلقت المظاهرات ضد منظومة اليمين الاقتصادية المنحازة للشريحة الأكثر ثراء على حساب باقى المواطنين.

ولأن الحاكم الجمهوري سكوت واكر انتخب بأصوات حركة حفل الشاي اليمينية في عام 2010، وبأموال ضخمة من كبار رجال المال والأعمال، فإنه استطاع- رغم الاحتجاجات- وبالتعاون مع برلمان الولاية الذي يسيطر عليه حزبه، أن يمرر القوانين التي يريدها، ثم صمد في موقعه بأموال كبار اليمينيين الذين نظموا حملة دعاية كبرى لصالحه.

لكن الاتحادات المهنية والعمالية منذ ذلك الوقت، صارت تواجه الهجمة الشرسة نفسها بدعم من حركة حفل الشاي في أكثر من ولاية في الوقت ذاته، الأمر الذي دعاها للمواجهة عبر مسارات عدة. ففي ويسكنسن مثلا، لجأت تلك الاتحادات ومعها النشطاء التقدميون، إلى أحد قوانين الولاية الذي يقضي بمنح الناس فرصة للتخلص من المسؤول السياسي من منصبه قبل انتهاء مدته، إذا ما وقع 550 ألف ناخب على التماس يقضي بذلك. فإذا ما توافر هذا العدد الضخم من التوقيعات، وجب إجراء انتخابات مبكرة.

ومثل ذلك القانون كان بالمناسبة هو الذي أتى في ولاية كاليفورنيا بشوارزنيغر حاكما للولاية في 2003، بعد أن تم جمع التوقيعات ضد الحاكم الديمقراطي للولاية وقتها غراي ديفير. وقد نجح نشطاء ويسكنسن في جمع مليون توقيع، فتمت الدعوة لانتخابات مبكرة لمنصب حاكم الولاية. لذلك، لم تكن تلك الانتخابات مجرد معركة انتخابية عادية في ولاية صغيرة، وإنما كانت معركة حاسمة سوف يتوقف عليها الكثير في المواجهة الدائرة اليوم في أمريكا، بين تيار حفل الشاي الذي يدفع بأمريكا مزيدا نحو اليمين، وبين التيارات الليبرالية التي تسعى لوقف ذلك المد اليميني، الأمر الذي كان يعني حشد كل طرف لصفوفه للفوز في تلك المعركة الفاصلة. لكن الانتخابات انتهت بفوز سكوت واكر على منافسه الديمقراطي بفارق 10% من الأصوات، واحتفاظه بمنصبه، وبهزيمة ساحقة لاتحادات المهن والعمال والتقدميين والليبراليين.

وبمجرد أن فاز واكر انقسم الديمقراطيون على أنفسهم، ووُجهت أصابع الاتهام في كل اتجاه. فقد أرجع بعضهم الهزيمة التي تلقوها إلى التمويل الضخم الذي حصل عليه واكر من خارج الولاية، أي من كبار الممولين الذين تهمهم هزيمة اتحادات العمال، لأسباب تتعلق بمصالحهم الاقتصاادية وأخرى تتعلق بإضعاف الحزب الديمقراطي، الذي تعتبر الاتحادات المهنية والعمالية من أقوى داعميه بالمال والأصوات.

وفي الوقت الذي اتهمت فيه اتحادات العمال الحزب الديمقراطي بالتخلي عنها، حمّل الكثير من التقدميين أوباما نفسه المسؤولية، لأنه رفض أن يذهب للولاية أو يعلن صراحة دعمه للمرشح الديمقراطي، اللهم إلا كلمات بسيطة على موقع تويتر صارت بسبب فتورها مصدرا لمزيد من الانتقادات. والحقيقة أن كل تلك الأسباب مجتمعة تضافرت بالفعل ليفوز واكر بولاية ثانية.

لذلك اعتبر الناقمون على أوباما من الديمقراطيين والتقدميين، أن تلك الانتخابات فيها من الدلالات والمؤشرات ما يمثل جرس إنذار لأوباما نفسه، بشأن فرص إعادة انتخابه في نوفمبر القادم. وجرس الإنذار الأول ،هو قدرة الجمهوري سكوت واكر على جمع أموال فاقت منافسه بفارق شاسع. فقد جمع واكر أكثر من 47 مليون دولار، مقابل 18 مليونا فقط جمعها منافسه. وقد جاء ثلثا تمويل واكر من جماعات يمينية من خارج الولاية، الأمر الذي يعني أنها أموال لا تمثل مصالح مباشرة في الولاية، وإنما هي أموال تمثل تيار اليمين عموما وحفل الشاي خصوصا، بما يعني حالة استنفار أيديولوجية وسياسية بالغة. وكل ذلك يعني أن رومني قد يستطيع تحقيق فوز مماثل بفعل المال. ولا يقل خطورة عن ذلك المؤشر، محاولات التلاعب في الانتخابات عبر إثناء الشباب والأقليات عن التصويت أو وضع العقبات في طريقهم.

والحقيقة أن التمويل والتلاعب سيكونان من أخطر المتغيرات في الانتخابات الرئاسية هذه المرة، لسببين؛ أولهما أن المحكمة العليا منذ عامين رفعت في حكم لها الكثير من القيود التي كانت مفروضة على إمكانية شراء السياسة بالمال، وثانيهما هو أن التلاعب ضد الأقليات والشباب الذين يصوتون دوما للحزب الديمقراطي، ظاهرة شملت ولايات عدة من متشغان إلى فلوريدا.

لكن لعل أهم ما قد يحسم فرص أوباما، رغم ذلك، أمران؛ الأول هو اندفاع تيار اليمين نحو مزيد من الهيمنة فيهرب الناخبون المستقلون، الذين يحسمون عادة الانتخابات، إلى معسكر أوباما. والثانى هو مدى تحمس معسكر اليسار والتقدميين للحشد والتعبئة، بعدما خذلهم أوباما مرات عدة.