في السابع من يونيو 2012، غيب الموت عميد الصحافة اللبنانية الأستاذ غسان تويني، عن سبعة وثمانين عاماً حافلة بالمواقف الجريئة والكلمة الحرة. فهو واسطة العقد بين الأب المؤسس جبران الذي مات دفاعا عن لبنان والعروبة، والابن الشهيد جبران، الصحافي الجريء الذي استشهد في 11 ديسمبر 2005، دفاعا عن استقلال لبنان وسيادته.

اجتاز غسان تويني سلسلة مآس إنسانية خلال فترة زمنية قصيرة، بدأت تباعا بوفاة ابنته، وزوجته، وابنه الثاني. لكن استشهاد الابن البكر جبران في عز شبابه، وفي قمة عطائه السياسي كنائب في البرلمان اللبناني، وفي قمة عمله الصحافي كمدير عام لجريدة "النهار"، شكل كارثة أليمة لوالده. مع ذلك، تماسك غسان تويني كجبل لا ينحني لريح الحقد والانتقام، أو للانفعالات السياسية الضيقة والطائفية والمذهبية البغيضة في لبنان. فدعا إلى حماية العيش، والتسامح الوطني لضمان أمن لبنان واللبنانيين. وطالب بالتعاون التام بين النظام السياسي في لبنان ومثيله في سوريا، على قاعدة المصلحة المشتركة لكلا الشعبين.

تقلد التويني مراكز سياسية ودبلوماسية رفيعة، فتمتع بصلابة أخلاقيات المثقف الملتزم بقضايا العرب الكبرى، خاصة قضية فلسطين، وتولى الدفاع عنها وعن القضية اللبنانية في المنابر العربية والدولية. أشار مراراً إلى أن القرون المتعاقبة منذ أقدم العصور لم تتمكن من ابتلاع لبنان، بل وقف اللبنانيون جميعاً في وجه كل أشكال الاحتلال وقمع الحريات، ودافعوا بصلابة عن سيادة وطنهم واستقلاله.

رغم تنوع مصادر ثقافته الأكاديمية، وتعدد لغاته، وتقلبه في مناصب سياسية ودبلوماسية كثيرة، كانت مهنة الصحافة تحتل موقعاً عميقاً في وجدان غسان التويني، فأعطاها الكثير من خبرته، وعصارة فكره، وتوجهاته السياسية. وأمضى حياته في الدفاع عن حرية الكلمة والتسامح مع الآخر المختلف. ودعا إلى دفن سموم التعصب الطائفي، وأطلق مبادئ واضحة سارت عليها "النهار" ولم تتبدل. وفي وداعه، أكدت حفيدته نائلة تويني، مديرة "النهار"، على مواصلة الطريق التي رسمها غسان تويني كتراث تعتز به هذه الصحيفة الرائدة.

شكلت "النهار" في عهده مدرسة رائدة للصحافة الحرة، وتميزت بثوابت فكرية، وخلقية، وإنسانية، بموازاة عناصر مهنية كالتغيير الإداري، والفني، والتقني، الذي دأبت عليه. فساهم تفاعل هذين العاملين بصورة خلاقة، في احتفاظها بموقع الريادة في الصحافة اللبنانية والعربية. كان الحفاظ على تلك المبادئ صعباً للغاية بسبب النقص الحاد في الموارد المالية، وما زالت الصحافة العربية حتى اليوم ملهمة للثورة في الفكر والكتابة والحياة، ومصدر آلام وقلق وخوف من العجز عن الاستمرارية والتواصل.

ورغم هزال المصادر المالية، انطلقت "النهار" بزخم قوي أحياناً، وبتعثر أحياناً أخرى، لكن "النهار" في عهد غسان تويني لم تتخل يوماً عن أي من مبادئها التي يعود بعضها إلى الجد المؤسس. فغايتها الأساسية الدفاع عن لبنان، وعن حقوق اللبنانيين في الوطن والمهجر. على أن تعرض للرأي العام، بصورة صحيحة ومبسطة، آلام الناس وآمالهم، وأن تبقى دوماً طليقة من كل قيد إلا قيد الواجب العام والدفاع عن حقوق الناس، وأن تعارض بطريقة رشيدة لإصلاح أمور الوطن والمواطنين، وألا تتعنت في طلب أمور غير عقلانية أو غير مقبولة. فحققت نجاحات كبيرة، حتى باتت من أبرز الصحف اللبنانية في مجال التغطية الإعلامية، والتوجيه الوطني، واحتضان أجيال متعاقبة من المبدعين اللبنانيين. وكان لها أبعد الأثر في الصحافة اللبنانية المنتشرة في بلدان الاغتراب، وهناك صحف لبنانية كثيرة يصدرها الآن لبنانيون في الخارج، تتبنى أسلوب "النهار" في نشر الأهداف والمبادئ التي تدافع عنها في لبنان.

تميز تاريخه الطويل بالمواقف الثابتة في الدفاع عن القيم الوطنية والمبادئ الديمقراطية والحضارة الإنسانية، إلى جانب إتقان فن المقالة الصحفية بمدلول ثقافي معمق، تمشياً مع تطور أرقى أشكال المقالة الثقافية الحديثة. وتضمنت أعماله سجلاً حافلاً من المواقف الجريئة، الصادقة والموضوعية. ثم أطلق "دار النهار" التي تحولت إلى مؤسسة ثقافية ناجحة، وشكل العاملون فيها مع زملائهم في "النهار"، أسرة واحدة اختطت لنفسها نشر الثقافة اللبنانية بالدرجة الأولى، وكان من روادها أدباء وشعراء ومثقفون وإعلاميون لبنانيون كبار، تركوا بصمات واضحة على مسيرة الثقافة والإعلام على المستويين اللبناني والعربي.

على جانب آخر، شكلت مؤسسات "النهار" المتنوعة، مدرسة في النقد الموجع الذي لا يحمل أي تجريح شخصي، أو تسفيه لآراء الآخرين. وفتحت أبوابها لكبار الفنانين والباحثين الأكاديميين، ولكل مدافع عن القضايا الوطنية والقومية والإنسانية السليمة، فتحولت إلى منبر إعلامي متقدم يحتضن، بصورة منتظمة ومتواصلة، أفضل النخب السياسية في لبنان، وتخرج منها تيار إعلامي رائد في مجال الإعلام الحر، والخبر الدقيق، والنقد الإيجابي البناء.

لم يتقاعس غسان التويني يوماً في الدفاع الصلب عن حرية الصحافة، في وجه سلطات سياسية غالباً ما كانت تضيق ذرعاً بمواقف "النهار" الجريئة، فتعمد إلى تعطيلها أو تحويل بعض محرريها إلى المحاكمة. وخاض معارك الدفاع عن الحريات العامة والخاصة، وعن الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وبناء الدولة العصرية. ورفض بشدة الفتن الطائفية والعصبيات الدينة والقومية والعرقية، والتحزب السياسي الضيق، وحروب الآخرين على أرض لبنان.

ختاماً، غسان تويني ومؤسسات "النهار" توأمان لا ينفصلان، فهو حامل ثقافة إنسانية تعددية تؤمن بالتنوع والاختلاف واحترام الرأي الآخر، وهي حاملة رسالة فكر ديمقراطي عقلاني علماني متجدد، فوصلت في عهده إلى مرحلة النضج. وهي وجدت لتبقى وستبقى، فتاريخها النضالي هو تاريخ غسان تويني وأمثاله من رواد القلم الحر والمواقف الجريئة، وأثرها واضح وجلي في الصحافة اللبنانية في الوطن والمهجر. وستبقى أمينة لتاريخ غسان تويني، المدافع الصلب عن تراث وطن حر عرف كيف يصون الكلمة الحرة، فأمضى حياته مدافعاً عن شعب لبنان قبل أن يدفن جسده في أرضه الطيبة.