ابتهجت بالطبع، لأن الأدب العربي الحديث معروف اليوم على نطاق أوسع كثيرا مما كانت الحال عليه عندما بدأت مسيرتي العملية في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، وأسعدني كذلك أنني مسؤول جزئيا عن أن جمهورا أوسع من القراء يمكنه قراءته، كل هذا بالفعل تحقق من خلال الترجمة، وأنا معروف اليوم في هذا الميدان.
غير أنني كنت أرغب أصلا في أن أكرس طاقاتي للعمل في ميدان الكتابة الإبداعية. هل حدث أن عرفت بأي صدفة من الصدف كاتبا فرنسيا يحمل اسم ميشيل دي مونتاني الذي ولد عام 1533؟ ترى هل كلف أحد نفسه عناء ترجمة بعض مقالاته العديدة من اللغة الفرنسية إلى العربية؟ إذا لم يكن هذا قد حدث فإن الأوان لم يفت للقيام به.
كنت قد بدأت لتوي كتابة هذا المقال عندما أمسكت بمجلد يتضمن بعض المقالات التي كتبها دي مونتان، ووجدت الفقرة التالية: "ليس بالأمر العجيب أن الصدفة تتمتع بسلطة هائلة للتحكم فينا، حيث إننا نعيش بالصدفة، والرجل الذي لم يوجه حياته ككل تجاه هدف بعينه، لا يمكنه أن يوجه تحركاته بشكل منظم، والرجل الذي ليس لديه تصور للكل في ذهنه، لا يمكنه أن يرتب الجزئيات.
ما هو النفع بالنسبة للرجل الذي لديه وفرة من الألوان إذا لم يكن يدري ما الذي سيرسمه؟ ما من أحد يضع خطة محددة لحياته، فنحن نفكر في حياتنا بصورة جزئية فحسب. والرامي بالسهم يتعين عليه أن يعرف أولا ما الذي سيصوب سهمه عليه، ثم يرتب بعد ذلك يده وقوسه وسهمه وحركاته لتحقيق ذلك الهدف. وخطوطنا تتبدد لأنه ليس لها اتجاه أو هدف، وما من رياح تخدم الرجل الذي ليس لديه مرفأ أو اتجاه يسعى إليه".
إن ما يقوله دي مونتان ينطبق علينا جميعا وينطبق علي كذلك، وأنا أتذكر أنني في وقت من الأوقات لم أرغب في شيء قدر رغبتي في أن أكون روائيا، وأن أعيش حياة ولو كانت متواضعة من خلال ذلك. والحقيقة أنني بدأت في مطلع شبابي كتابة قصص قصيرة.
وأسعدني أنها كانت تنشر في مجلات أدبية، ثم تحولت إلى الروايات، وكانت أولاها رواية حركة وإثارة، وتقع أحداثها في الشرق الأوسط، بل في أجزاء منه مثل إيران، لم أكن قد زرتها في ذلك الوقت. ثم كتبت رواية بوليسية، وأنجزتها بسرعة بالغة خلال أمسيات شهر واحد بعد العودة من عملي في مكة، وقد نشرت الروايتان، وذلك رغم أن أيا منهما لم تحقق شيئا متميزا في ما يتعلق بالمبيعات.
يرجع هذا النجاح في المقام الأول إلى وكيل أدبي اكتشفته بشكل ما، وأتذكر أن الرجل الذي كان يدير أعمالي لدى ذلك الوكيل كان متقدما في السن، وكان يضع سيجارا على نحو دائم في فمه، وكان الشيء الطيب فيه أنه كان معنيا في المقام الأول بالعثور على مجلة تنشر قصصي القصيرة، حتى لو تصادف أنها كانت مجلة مجهولة تنشر في أستراليا.
وانطبق الأمر نفسه على الروايتين اللتين كتبتهما، فالمهم بالنسبة له كان رؤية أعمالي تنشر، حيث إن هذا كان من شأنه تشجيعي على مواصلة الكتابة. ثم حدث تغير عندما قرر أبي وهو يرى أنني أكرس كل طاقاتي للكتابة، أنني ينبغي أن أغير وكيلي الأدبي، معتقدا أنه من خلال وكيل معروف بشكل أفضل، يمكنني أن أنشر أعمالي لدى ناشرين معروفين.
أتذكر جيدا أن أبي رتب لي مقابلة مع وكيل أدبي مشهور يدعى ديفيد هيام، وقد استقبلني في مكتب فخم، رجل جعلتني حلته غالية الثمن وربطة عنقه الأنيقة أبدو كما لو كنت شحاذا، قدم لي سيجارة من علبة كانت تحتوي على 4 أنواع مختلفة من السجائر، وبعد خوضنا في مناقشة طويلة وافق على أن يشملني برعايته واهتمامه. وفي الوقت الذي أنهيت رواية أخرى كنت قد انتقلت إلى القاهرة، فبعثت إليه بالرواية عن طريق البريد، ومرت 3 أشهر قبل أن أتلقى منه ردا، بسبب البريد كان ينقل بحرا في ذلك الوقت.
ورغم أن وكيلي الأدبي كان مشجعا في ما يتعلق بروايتي الجديدة، إلا أنه اقترح في رسالته أن أدخل تغييرات عديدة عليها. وقد قمت بذلك وبعثت إليه الرواية مجددا، وبعد شهور وصلني الرد منه، وكان فحواه هذه المرة أن ناشرا معروفا يبدي اهتماما بنشر الكتاب، وأنهما سيكاتباني في هذا الصدد. وبالفعل تلقيت رسالة من الناشر أكد لي فيها أن داره تود أن تنشر الرواية، ولكنها قبل أن تفعل ذلك تريد مني أن أدخل بعض التعديلات عليها، وتضمنت الرسالة بعد ذلك قائمة طويلة من التعديلات التي يريد الناشر إدخالها.
بحلول ذلك الوقت كان ما لا يقل عن 4 سنوات قد انقضى منذ ألفت الرواية، فساورني الشعور بِأنني سأمضي ما تبقى من حياتي في إدخال تعديلات عليها، وفي الانتقال بين لندن والقاهرة.. وباختصار فقد ثبط ذلك همتي تماما، وكنت في ذلك الحين أكتب صفحة أسبوعية في مجلة إنجليزية محلية اسمها "سفينكس"، كانت تنشر في القاهرة في ذلك الوقت، كما أبديت اهتماما بترجمة نماذج من الكتابات العربية إلى الإنجليزية.
عقب ذلك، التقيت بصديقي المرحوم عز الدين إبراهيم، وبدأنا سويا في ترجمة بعض الأحاديث النبوية الشريفة، بل إنني وجدت ناشرين يرغبون قيامي بتِأليف كتب للأطفال، وقد ألفت منها حتى الآن ما لا يقل عن 50 كتاباً.
وهكذا فإن طموحي المبكر لأن أصبح كاتبا للروايات والقصص القصيرة، قد تجاوزته أنشطة أخرى في الكتابة، وربما كان ذلك أفضل. فباعتباري مترجما من الإنجليزية إلى العربية، نلت جائزة الشيخ زايد للكتاب، وارتحلت على امتداد معظم أنحاء العالم العربي، ولكن كما يقول الكاتب الفرنسي دي مونتان، فإن الرامي ينبغي أن يعرف أولا ما الذي يستهدفه قبل أن يطلق سهمه.