تبرز بين الحين والآخر، بعض المشكلات الاجتماعية، على السطح وخاصة في بداية فصل الصيف، وكأنها من أمطار الصيف، ويلاحظ أن مشكلة العاطلين عن العمل من المواطنين ضمن الأجندة الدائمة، ويتساءل المرء في كل مرة، هل يعقل أن هذه المشكلة لم تحل على مدى ثلاثة عقود من الزمان؟!

وأين هي الجهات المسؤولة عن توظيفهم، سواءً في القطاع العام أو الخاص، آخذين بعين الاعتبار أن القطاع الخاص يحقق أرباحاً بالملايين سنوياً، فما بالك بعد قراءة الاحصائيات الرسمية في بعض المؤسسات الحكومية والتي بها أعداد المواطنين لا تزيد عن 50% من إجمالي العاملين ألا تفكر تلك المؤسسات بخطة من أجل الإحلال ولو كانت خمسية المدى، أم إن الاهتمام بالمواطنين بعيد عن اجندتها.

إذا كانت الدول ذات الكثافة السكانية العالية مثل مصر واليمن وسوريا والمغرب تحاول أن تحل هذه المشكلة وأعداد العاطلين كبيرة وفي تزايد دائم، مع ازدياد عدد خريجي الجامعات. فما بالك بدول مجلس التعاون الخليجي، التي تعاني من قلة عدد السكان، لقد مر على قيام المجلس أكثر من ثلاثة عقود، وما زالت المشكلة قائمة ومن العجب أن يبدي أولئك العاطلين عن العمل استعدادهم للعمل في أية وظيفة من أجل الخروج من دائرة البطالة، ومحاولة منهم في العيش بكرامة وإنسانية.

يدرك من يتابع موضوع البطالة أنها ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية ونفسية وحتى سياسية، وهي أداة لهدم الاستقرار في المجتمع، ودخوله في دوامة الاضطرابات.

وتدل بعض الإحصائيات شبه الرسمية أن اعداد القوى العاملة الأجنبية تتراوح بين 46% إلى 90% بما يطرح تساؤل أهمية التوطين ودراسة كيفية حل أم المشاكل في المجتمعات الخليجية ودراسة سبل توفير فرص العمل ومتابعة هذا الموضوع بشكل جاد.

المعروف أن البطالة تؤدي إلى ازدياد عدد الفقراء وما ينجم عن ذلك من آثار سلبية ومدمرة للمجتمع، منها على سبيل المثال تنامي السخط وعدم الانتماء، ومن ثم ازدياد الجرائم ، وخلق تميز بين المواطنين. ومن السلبيات البارزة تأخر سن الزواج لدى الشباب مما يؤدي إلى ازدياد أعداد غير المتزوجات، وبالتالي يترتب عليه العديد من المشكلات. ومنها الانحلال والفساد بشكل عام وقد تبرز مستقبلاً ظاهرة الإقدام على الانتحار، وهو محرم دينياً إلا أن القلق والتوتر والشعور بعدم الأمان يدفعان بعض أولئك إلى قتل النفس.

الطامة الكبرى إن أغلبية أولئك العاطلين عن العمل يحملون شهادات علمية تتراوح بين الثانوية العامة إلى الجامعية، وربما ما فوقها. ويقال إن بعض المتنفذين في الدوائر الحكومية في مجلس التعاون يحجزون الوظائف لأقربائهم وفي العلن يؤكدون على عدم وجود شواغر، ألا يؤدي ذلك إلى تراجع الحس الوطني والانتماء، ويعزز المحسوبية والعودة إلى العائلية في النظام الاجتماعي. ومن هنا فإن ازدياد الجرائم بمختلف أنواعها واشكالها ما هي إلا النتائج الأولية لظاهرة البطالة وما خفي كان أعظم.

في اعتقادي أن الأوان قد حان لعقد مؤتمر وطني عام يشارك فيه القطاعان الحكومي والخاص ويدعو له كل من يستطيع تناول هذه المشكلة سواء من الاجتماعيين والاقتصاديين والسياسيين وعلماء النفس لطرح الموضوع ومناقشته بشفافية ومن دون حساسية أو تحفظ حتى يتم انقاذ المجتمع ومستقبله المتمثل بالشباب الذي سيحمل الراية في المستقبل، إدراكاً بأن المجتمع في خطر حقيقي.

وأخيراً طوفان البطالة لن يرحم أحداً فهو بقوة الزلازل التي تزيل الجبال وهنا لا يفيد الصوت إذا فات الفوت، وينقلب الأمن والأمان إلى فوضى.

لقد آن الأوان لتطبيق كل القرارات الصادرة من الجهات العليا وأن يتابع التنفيذ بصرامة وجدية تامة، وخاصة أننا أقلية في الوطن تتلاعب بنا الأمواج العالية القادمة من الخارج، وتجاهل المشكلة سيجعلنا مثل النعامة التي تعتقد أن دس رأسها في الرمال سوف يحد من الخطر المحدق بها.