تاريخ كل الأمم يحمل صفحات من الانتصارات وصفحات من الانتكاسات، وكل صفحات التاريخ تسجل سلسلة من التحديات والاستجابات، ومن الأزمات والحلول، ومن المآزق والمخارج، ونحن كأمة عريقة لسنا استثناء من حركة التاريخ. لكن الأمم الحية والواعية هي التي تحفظ في ذاكرتها لكل الأجيال كل صفحات التاريخ، بمعاركها الناجحة والفاشلة، وبمآزقها وبمخارجها، وبتجاربها الحلوة والمرة، لتتعلم من دروس الهزائم أكثر مما تتعلم من دروس النصر.

لقد صممت أمتنا على تحدي الهزيمة في يونيو 67، فاستطاعت تحقيق النصر في اكتوبر 73، بوحدة جبهاتها المصرية والسورية ودعم شعوبها وجيوشها العربية، وبما استدعته من دروس من قيمها السماوية الداعية إلى الدفاع عن الحق والعدل والحرية، ومن تجاربها التاريخية الدافعة إلى رفض اليأس والانتصار عليه وتحدي الأمل للوصول إليه.

أستعيد ما جرى وأشهد ما يجري في الوطن العربي، خصوصا في مصر وسوريا، شركاء الهزيمة في يونيو والنصر في أكتوبر، من محاولات نشر الفوضى والاحتراب الأهلي وتعميق الانقسام الوطني، لفك التلاحم بين الشعب والجيش لصالح إسرائيل، طبقا لما يراد بها من انكسارات وعلى عكس ما نريده لها من انتصارات، لكن يزداد يقيني أنه بعد كل ليل صبح.

وبينما أكتب هذا المقال يوم الخامس من يونيو وفي الذاكرة التاريخية مشهد حالك الظلمة، رغم صمود جيشنا في مواجهة الهزيمة، لينشر اليوم الثامن من يونيو، وفي الصورة الحية مشهد حافل بالنور بوقفة شعبنا رفضاً للهزيمة وتصميمه على تحقيق النصر، ووقفته وراء جيشه داعما وخلف قيادته دافعا، بما تستدعيه تلك المشاهد من تحديات اليأس والأمل، ومن دروس الهزيمة والنصر.

ليبدو لليائسين والمرجفين أن الجنود الأبطال على الجبهتين المصرية والسورية، لم يغرقوا في الهزيمة مثل بعض الأفنديات في الصالونات ووراء الميكروفونات وعلى الشاشات، الذين استغرقوا في محاولاتهم الفاشلة لتكريس الشعور بالهزيمة وبث روح اليأس وإشاعة الشعور بالاستسلام، وتوجيه عرائض الاتهام للرجال المقاتلين، بل استغرقوا في الإصرار على الصمود والمقاومة والاقتدار في مواجهة العدو، حتى تحقق الانتصار بشجاعة خير أجناد الأرض.

وعلى مدى الأسبوع الماضي تابعنا مشاهد منيرة وعشنا أياما مثيرة، لا نبالغ إذا قلنا إنها من أكثر الأيام إثارة وإنارة في حياة أمتنا عموما وفي أرض الكنانة خصوصا، سواء في الخلفية التاريخية أو في الحقبة الحالية، بكل مشاهدها المثيرة والمنيرة، وبكل ذكرياتها الأليمة والمريرة!

ففي أول أيام الأسبوع الثاني من يونيو الحالي، تابعنا وتابع العالم كله بعيون مشدوهة في القاهرة، مشهدا تاريخيا حافلا بكل الدروس والعبر في ما سمي "محاكمة القرن"، وهي التي أتيح فيها للشعب المصري، بفضل ثورته الشعبية وتجاوب إدارته العسكرية وعدالة قضائه الوطني، ليس فقط أن يسقط نظامه الظالم والفاسد والمستبد، بل أيضا أن يحاكم فرعونه ويحكم عليه!

وحينما جرى النطق بالحكم القضائي بالسجن المؤبد على "فرعون" و"هامان" في مصر، في سابقة هي الأولى في الوطن العربي، وبفعل ما أثاره هذا الحكم من تباين في مشاعر الرأي العام المصري، بين الفرحة بالإدانة على الرئيس والوزير والغضب من البراءة للنجلين وللمعاونين.

وبتداعيات إعلان نتائج الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، التي أثارت انقساما في المواقف بين مؤيد لأحد المرشحين الدكتور مرسي والفريق شفيق أو معارض لكليهما، بدا المشهد الانتخابي والميداني بالغ الاحتقان والالتباس، بين الاتهامات القضائية والمناورات الحزبية والسجالات الإعلامية والدعوات السياسية غير المنطقية!

انعكس هذا ميدانيا في "المليونية" التي دعت إليها بعض الحركات الثورية الغاضبة والحملات الانتخابية الخاسرة، يوم الثلاثاء الخامس من يونيو بدلا من الجمعة، في توقيت غريب ومريب، حيث اختلطت الصيحات الاحتجاجية على نتائج المحاكمات القضائية، بالحملات الدعائية الانتخابية، وبالهتافات الهجائية ضد من يستحق ومن لا يستحق، وبمحاولات الفرض لا الرفض.

وبوضع "الثورية" في مواجهة الشرعية. وبدا المشهد الأكثر مدعاة للدهشة وللغرابة، هو مشهد المرشحين الخاسرين صباحي وأبو الفتوح مع أنصارهما في الميدان وسط دعوات مثيرة للجدل، سواء بإلغاء نتائج المحاكمات القضائية وإعادتها بمحكمة ثورية في مجافاة لسيادة القانون، أو بإلغاء نتائج الانتخابات الديمقراطية في انقلاب على الديمقراطية، أو بتنازل الدكتور مرسي لدخولهما الإعادة معا، أو بمنع ترشيح الفريق شفيق ليدخل صباحي الإعادة، أو بتنصيب نفسيهما في مجلس رئاسي يشكلانه للحكم ليدخل كلاهما، كمحاولة للخروج من المأزق.

والواقع أن كل الأطراف السياسية، المرشحة والناخبة والطرفين الفائزين الخاسرين، وجدت نفسها بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في مأزق صعب وشديد الالتباس، نتيجة لطبيعة الاستقطابات السياسية الحادة التي شهدتها مصر بعد الثورة، حيث تخندقت في أربعة معسكرات متباينة في اشتباك فكري وسياسي وقانوني حاد، بين ثنائيات متناقضة بين مرشح الثورة والدولة الدينية.

ومرشح الثورة المضادة والدولة المدنية. وفي الانتخابات البرلمانية والرئاسية تخندق دعاة ما يسمى "الدولة المدنية" في مواجهة الإسلاميين، ظنا أنهم دعاة ما يسمى "الدولة الدينية"، ووقف الثوريون من كل التيارات في مواجهة العسكريين بوهم أنهم ضد الثورة. وبعد الجولة الأولى واجهت كل الأطراف مأزقها الصعب، من نختار؛ "الأخ" أم "الفريق"؟

في ظل هذا المأزق، يشدد كثيرون في التيار الشعبي العام على حق كل ناخب في اختيار مرشحه في انتخابات ديمقراطية، وعلى رفض الوصاية من أي حزب أو جماعة أو نخبة على خياره السياسي، ويطالبون بوحدة القوى الوطنية بكل شركاء الثورة المصرية. ويرون أنه لا ثورة بلا دولة، ولا دولة بلا دستور أو بلا رئيس.

ولا ديمقراطية بلا احترام لنتائج الانتخابات ولسيادة القانون في دور القضاء، باعتبار الديمقراطية وسيادة القانون في دولة المؤسسات، الوسيلة الأكثر أمنا لإدارة الاختلافات سياسيا، والأقل كلفة لحل مشكلة الصراع على السلطة سلميا.

وغير ذلك، ليس سوى دعوة للفوضى وانقلاب على الديمقراطية وعلى العدالة القضائية، وفي هذا إضرار خطير بالوطن والشعب والثورة.