يمكن اعتبار الوضع السياسي في مصر، إلى هذا الحد أو ذاك، بمثابة مرجع بالنسبة للعالم العربي. ليس فقط بسبب وزنها السكاني والسياسي، وإنما أيضاً لكون الوضع فيها يجسّد صورة مركّزة للتحديات التي تواجهها المنطقة حالياً.
الأحداث تتالى في مصر بإيقاع سريع، وتدلّ على تبدّل موازين القوّة بين أنصار متابعة المسار الثوري، والذين ينضوون تحت راية الإسلام السياسي، والمؤسسة العسكرية.
العنصر الأكثر بروزاً خلال الأشهر الأخيرة، هو بالتأكيد انتصار الإسلام السياسي في الانتخابات التشريعية الماضية. إن الإخوان المسلمين في حزب الحريّة والعدالة والسلفيين من حزب النور، يمثلون 71 في المائة من النوّاب. وواقع حصول الإخوان المسلمين على 235 مقعداً من أصل 308 مقاعد، لا يشكل مفاجأة في الحقيقة، نظراً لماضيهم النضالي ووجود 400 ألف منتسب للحزب، وشبكاتهم المتعددة التي تحيط بالمجتمع المصري.
على العكس، قليلون من المراقبين هم الذين توقعوا أن يحصل السلفيون على 124 مقعداً في مجلس الشعب المصري. هذا العدد يمكن تفسيره بالنزعة المحافظة العميقة لقسم كبير من الناخبين المصريين، وبالحذر حيال الألعاب السياسية التي يزعم السلفيون أنهم لا يريدون الدخول فيها، وكذلك بالشك في وجود تقاسم للأدوار بين الإخوان المسلمين والمؤسسة العسكرية. في كل الحالات، تبقى مسألة التحالفات السياسية مطروحة.
هذا ما يدل عليه حل المحكمة الإدارية التابعة للجنة المكلّفة بصياغة الدستور المصري الجديد. ونظرا للنتائج التي حصل عليها الإخوان المسلمون في الانتخابات التشريعية، فقد حصلوا على 60 من المقاعد المائة التي تمثّل اللجنة الدستورية. سحب الليبراليون ممثليهم فيها كتعبير عن احتجاجهم، ثم تبعهم ممثلو المحكمة الدستورية وممثلو الطائفة القبطية وممثلو جامعة الأزهر، على خلفية اتهام البرلمان بعدم الالتزام بصلاحياته، مما خلق وضع انسداد دستوري.
الخلافات تتركز على البند الأول من الدستور المعمول به، والتي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. القوى العلمانية تريد حذف هذا البند، وهذا مطلب صعب في السياق الحالي. والعسكريون الذين يدعمون هذا المطلب يحاولون، كما يبدو، استخدام الليبراليين للضغط على الإسلاميين في المفاوضات الجارية في الكواليس.
إن المؤسسة العسكرية بمجلسها الأعلى الذي قام بعد رحيل مبارك، منشغلة بملفين هما عدم تعرّضها للملاحقات القانونية المحتملة، والمحافظة على امتيازاتها الاقتصادية. والضباط الكبار في المؤسسة العسكرية يريدون منع أية رقابة على كيفية التصرّف بميزانيتهم، التي تمّ استخدام القسم الأكبر منها في نشاطات اقتصادية مربحة في القطاع الخاص، مما يدرّ عليهم مكاسب هامّة دون أية رقابة برلمانية. هذه النشاطات مثيرة للقلق، لا سيما وأن الجيش المصري لم يعد يتمتع بقدرة عملياتية حقيقية، بعد أن حوّله اهتمامه الاقتصادي عن النشاطات الدفاعية التي تشكّل مع ذلك علّة وجوده.
كذلك أظهر الجيش المصري تقاعساً في إدارة المظاهرات التي تكاثرت في الأشهر الأخيرة. إنه لم يتدرب على مثل هذه المهمات، واكتفى عملياً بمساعدة قوات الشرطة بعد رحيل مبارك، ولم تفلح مساعيه في ضبط المظاهرات التي انتهى بعضها بشكل مأساوي وبخسائر بشرية.
من جهة أخرى، أدّى غموض الإعلان الدستوري الذي جرى تبنيه في شهر مارس 2011 والأزمة السياسية التي نسفت شرعية كل سلطات الدولة، إلى جعل الوضع أقل استقراراً، كما أظهرت الفترة التحضيرية التي سبقت الانتخابات الرئاسية، حيث توالت الضربات «المسرحية» مثل الطعن بأهلية بعض المرشحين لخوض المعركة الانتخابية الرئاسية، بعد أن كانوا قد بدؤوا حملتهم الانتخابية بنشاط، وكان اثنان منهم على رأس الأكثر شعبية في استطلاعات الرأي.
وبغضّ النظر عن هوية المتنافسين في الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية التي ستجرى يومي 16 و17 يونيو لتقرر أياً منهما، بكل ما يمثّله من خيارات سياسية أساسية، سيقترع عليه الشعب المصري، فسيكون هو رئيس الجمهورية الجديد. وعلى هذا الرئيس أن يقدّم إجابات على الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الوضع المصري المعقّد.
إن مرحلة الانتقال السياسي في مصر وفي غيرها لن تكون، بكل الحالات، حسب خط مستقيم وحيد الاتجاه، وهذه هي السمة في كل مسار ذي طبيعة ثورية.
=