لم أكن استبعد فوز الإسلاميين في الانتخابات الرئاسية المصرية لجولة ثانية حاسمة، بل كنت أعتقد أن هذا الفوز سيتم بالضربة القاضية منذ الجولة الأولى، لو تحالف الدكتور محمد مرسي مرشح حزب الحرية والعدالة، مع شقيقه الأيديولوجي عبد المنعم أبو الفتوح، ومعاضدهما الناصري القومي حمدين صباحي.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: لماذا هذا التوقُّع المتفائل لصالح الإسلاميين، خاصة وأنهم وقعوا في بعض الأخطاء التكتيكية القاتلة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وبرزت تلك الأخطاء في بعض التصريحات المتعجّلة التي انطلقت من منطلق أيديولوجي متسارع، ولم تأخذ بعين الاعتبار أن العملية التنافسية الجارية هي عملية سياسية بامتياز.
وهنا سنلاحظ أن المسافة بين الأيديولوجي والسياسي تتقلّص في مثل هذه الأحوال، لصالح السياسي البراغماتي، وهو ما لمحناه عند الإخوان، سواء في تفاهمهم الملغوم مع المجلس العسكري حول تقديم الانتخابات الرئاسية على الدستور.
أو في تصريحاتهم المبكرة بأنهم لن يخوضوا الانتخابات الرئاسية، ثم انقلابهم على ذلك. الخطوة الخاصة بتقديم الانتخابات على الدستور، تعني أن البرامج الانتخابية محض افتراض نظري، لأن صلاحيات الرئيس القادم غير واضحة المعالم، والخطوة الخاصة بالتراجع عن الوعد بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية، إشارة إلى درجة الميكيافيللية السياسية التي مارسها حزب الحرية والعدالة الإخواني.
الأخطاء التكتيكية لتيار الإسلام السياسي، ورغم تسارعها، كانت أقل فداحة من أخطاء الطرف الآخر الذي لا يمكننا تحديد معالمه وأوصافه بدقة، فهو طرف ينتمي لما يُسمى «الفلول» في فقه السياسة المصرية الراهنة، وهو مصطلح يشي ضمناً بسلسلة من أحكام القيمة المعنوية والأخلاقية.
ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الفساد، والنزعة النفعية التي طالت حتى السياسات العليا للدولة، حيث تخلّت الدبلوماسية المصرية بعهد الرئيس السابق حسني مبارك، تخلياً حراً عن دور ومكانة مصر المركزية في العالمين العربي والإفريقي، وكذا الشكلانية العصرية المعجونة بثقافة «التكتكات» الراقصة على أوزان «مزازيك، والسح الدح، وترلا ترلا ترلم.. الخ».
تلك المسالك كانت مفارقة جوهرة لما يجري في الواقع المصري من عنت وعذابات وحيرة، وهكذا فقد النظام مصداقيته في أقواله وأفعاله، كاشفاً عن وجه كئيب، وادعاءات بعلمانية أبعد ما يكون عنها، فالعلمانية بمفهومها الأكثر نضجاً، لا حضور لها في الآداب السياسية والممارسات العربية المعاصرة.
النتائج الأولية أسفرت عن نجاح لم يكن متوقعاً لصالح حزب الحرية والعدالة، المُعبر عن حركة الإخوان المسلمين التاريخية العتيدة في مصر والعالم العربي، وقد كُنت اطلعت كغيري من المراقبين على بعض الاستفتاءات والإحصاءات السابقة على النتائج، والتي أشارت بجملتها إلى أسبقية عبد المنعم أبو الفتوح وعمرو موسى. لكن تلك الاستفتاءات كانت مثار شك مؤكد من قبل المراقبين العليمين بالمُتغير السياسي العربي والمصري.
وبدتْ في أُفقٍ ما مُخاتلة، ومُجيّرة حصراً على أماني المجلس العكسري الذي وإن بدا بعيداً عن المشهد في ظاهر الأقوال، فإنه كان وما زال ملتبساً بها حتى مخ العظم، والشاهد على ذلك سلسلة التكتيكات السياسية غير الموفقة، وخاصة ما يتعلق منها بالترويج المُبالغ فيه لبعض الرموز المحسوبة على "الفلول"، وتحديداً أحمد شفيق وعمرو موسى.
ولو كان مستشارو المجلس يدركون هذه المصائر لما فعلوا ذلك، فالاستفتاءات والرصد المعلوماتي المرتبطان بالتوقعات سلاح ذو حدين، ومعيار هذا السلاح المصداقية قدر الإمكان. ولأن تلك الإحصاءات والاستفتاءات حادتْ عن جادة المصداقية، كان عليها أن تنعكس سلباً على صانعيها ومُعتمديها كوسيلة للتأثير على الرأي العام، وفي المقابل جاءت لصالح حزب الحرية والعدالة ومرشحه الدكتور محمد مرسي.
خلال الأيام الماضية تعالت أصوات مُحتجّة، وزعم البعض أن الانتخابات شابها التزييف، والبعض الآخر تباعد عن استيعاب التجربة بوصفها، كأي تجربة انتخابية، لا تكتمل بشروطها الناجزة، وخاصة في ظل الحقيقة الشاخصة، وكونها تجربة جنينية في مجتمع عربي لم يعرف سوى الانتخابات المُجيّرة على الحاكم الفرد. لهذه الأسباب مجتمعة، من الأجدر بالمحتجين أن يلتحقوا بركب المنافسة على قاعدة دعم المرشح الذي يرونه مناسباً.
أخطاء المجلس العسكري في مصر كانت أكثر فداحة من أخطاء جماعة الإخوان المسلمين، بالنظر للسلوك البراغماتي السياسي الذي اعتمدته الجماعة، بالإضافة إلى التجييش التعبوي وضمان تصويت الأنصار كما لم يحدث في أي معسكر آخر، في مقابل التكتيكات السياسية الخاسرة للمجلس العسكري، الذي لم يجد في عموم مصر من يثق فيهم سوى المنتمين لذات المربع السحري للنظام. والحاصل أن النتيجة التي أسفرت عنها الانتخابات في جولتها الأولى، لم تكن بعيدة عن التوقعات المنطقية المستندة على احتساب لجملة العوامل التي أحاطت بالعملية الانتخابية.
الآن يقف المصريون أمام خيارين أحلاهما مُر، فالتصويت لصالح أحمد شفيق لا يعني سوى إعادة إنتاج النظام الذي فقد شروط مؤهلاته لقيادة مصر الكبيرة، ولا نريد هنا استرجاع الأسباب العميقة وراء فشل النظام وانهياره الحتمي. أما الخيار الثاني المتعلق بالتصويت لصالح ممثل حزب الحرية والعدالة الإخواني الدكتور محمد مرسي، فسيعني الخوض في المجهول المحفوف بفوبيا حقيقية، سببها تعارض مواقف الإسلاميين تجاه الحداثة واستتباعاتها المؤكدة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن حركة الإخوان المسلمين في مصر خاضت تجارب ومعارك شرسة، وتمرّغت في أوحال المتاعب والمطاردات والسجون، وسيّجت نفسها بمنظومة مُحْكمة من الخطاب السياسي والفعل الاقتصادي، وأصبح لديها مشروعها الخاص، اتفقنا معه أم لم نتفق، وهل بوسعهم ضمان الطمأنينة الداخيلة التي تفتح الباب لمتوالية ترجمة حقيقية لمشروعهم النهضوي الكبير نظرياً، والخاضع عملياً لبرهان السنوات الأربع القادمة، على افتراض فوزهم في الجولة الثانية من الانتخابات؟
هذه الأسئلة وغيرها ستكشف الأيام عن مقاربات رؤيتها الواقعية، ولا نستطيع هنا الاستعجال في إصدار أحكام قيمة، لكن ما أتمناه أن يتـأسّى الإخوة في حزب الحرية والعدالة المصري، بتجربة حزب العدالة والتنمية التركي الذي أثبت أن الإسلام السياسي ليس نقيضاً للعلمانية، وأن الملعب الذي يتّسع للشفافية والديمقراطية يمنح الجميع حق المشاركة، على قاعدة التوافق الخلاق، بل التعارضات البناءة.