توالت مؤخرا التحذيرات الدولية من حرب أهلية محتملة في سوريا، وتقاطعت في هذا المجال تصريحات قيادات روسية وصينية مساندة للنظام السوري، مع تصريحات قيادات أميركية وأوروبية وتركية وعربية معارضة له. وأبدى بعض الأطراف الفاعلة استعدادها للتعاون معا من أجل إيجاد حل سياسي سلمي للأزمة السورية، بعد أن عبر جميع الأطراف عن قلقها الشديد من تزويد السوريين بأنواع لا حصر لها من الأسلحة المدمرة.

على جانب آخر، في الأول من يونيو/ حزيران 2012، صوتت لجنة حقوق الإنسان في الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار بإدانة النظام السوري في ارتكاب مجزرة الحولة، التي ذهب ضحيتها مئات القتلى والجرحى. ودعت المفوضة السامية لحقوق الإنسان لإحالة النظام السوري على مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية. صدر القرار بأغلبية 41 صوتا من أصل 47، خلال جلسة خاصة عقدها المجلس حول سوريا، وهي رابع جلسة حول سوريا منذ اندلاع الاحتجاجات في أواسط مارس/ آذار 2011.

تضمن القرار ما يلي: "إن مجلس حقوق الإنسان، إذ يدين بأشد عبارات الإدانة عمليات القتل الهمجية بطلب من لجنة التحقيق الدولية التي تعمل بتفويض منه منذ أغسطس/ آب 2011، يطالب بإجراء تحقيق خاص، شامل ومستقل، بما يتفق مع المعايير العالمية حول أحداث الحولة، ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية".

وأسفت روسيا للمجزرة، لكنها نددت بالمساعدات المالية وإرسال أسلحة حديثة عن طريق التهريب، إلى المعارضة السورية. وأعلن الجيش السوري الحر إنهاء الهدنة العسكرية مع النظام السوري بعد المجزرة، معتبرا أن خطة المبعوث الدولي كوفي عنان انتهت إلى الفشل. وأكد الرئيس الفرنسي انتفاء القدرة على تبني أي حل ممكن في سوريا، من دون رحيل الرئيس الأسد، "فقد تصرف بطريقة غير مقبولة لا يمكن التسامح معها، وارتكب أفعالا تجعله غير مؤهل للحكم"، وطالب بفرض عقوبات على النظام السوري.

أمين عام الأمم المتحدة، من جانبه، يشعر بالإحباط من استمرار العنف والقتل في سوريا. ووزير خارجية بريطانيا يؤكد أن سوريا على شفير حرب أهلية شاملة. والمبعوث الدولي العربي عنان يطالب الرئيس الأسد بتنفيذ النقاط الست، لأن الوضع لن يستمر على حاله لفترة طويلة. ولوحت الولايات المتحدة بتحرك من خارج مجلس الأمن الدولي، في حال لم يظهر الضغط الكافي على سوريا، واتهمت روسيا بأن "سياستها الحالية مع سوريا تدفع في اتجاه حرب أهلية، حذر منها الأمين العام للأمم المتحدة واعتبرها كارثية".

الانقسام الدولي حول سوريا شديد الوضوح، فالولايات المتحدة وحلفاؤها يطالبون بإسقاط الرئيس الأسد وتبني الحل اليمني، بينما تبنت روسيا موقفا ثابتا تجاه الأزمة السورية، واتهمت الدول الغربية بالقفز المسبق على نتائج مجزرة الحولة. وهي تتبنى رواية السلطات السورية حول وجود جماعات إرهابية مسلحة ارتكبت مجزرة الحولة، وجددت العمل على إنجاح مهمة عنان وتبني الحل السلمي. لكن الجيش السوري الحر طالب عنان بالإعلان عن فشل خطته، ودعا المعارضة للرد العسكري على جرائم النظام، كما دعا الأمم المتحدة إلى زيادة عدد المراقبين الدوليين عشرة أضعاف، وإقامة نقاط ثابتة لتمركزهم ورصد جرائم النظام.

يبدو أن بعض أطراف المعارضة السورية قد تبنى الحل العسكري دون سواه لإسقاط النظام السوري، وتصاعدت التحذيرات مؤخرا من حرب أهلية في سوريا. لكن روسيا والصين ودولا أخرى، ما زالت تطالب ببذل الجهود للوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية.

ودعا البيان الختامي للمنتدى الصيني - العربي الخامس، الذي أنهى أعماله في تونس في الأول من يونيو/ حزيران 2012، الأطراف السورية المتنازعة إلى تطبيق خطة المبعوث الدولي العربي بكامل بنودها، وطالب المجتمع الدولي بمضاعفة الضغوط على السلطات السورية لتسهيل مهمة المراقبين الدوليين. وترى دول في الاتحاد الأوروبي، أن الخيار العسكري في سوريا ليس مطروحا الآن، وطالب ممثلوها بخطوات عملية في إطار القانون الدولي، ودعوا إلى فرض عقوبات جديدة ضد النظام السوري لإجباره على الامتثال لإرادة المجتمع الدولي وتنفيذ خطة عنان. دلالة ذلك أن الأزمة الدموية في سوريا باتت عند مفترق خطر، وهناك تزايد مستمر للنزعات الطائفية والقبلية، قد يتحول إلى حرب أهلية شاملة تقود إلى انهيار تام للدولة ومؤسساتها.

ونبه عنان مرارا إلى أن الأزمة السورية معقدة جدا، وتتطلب تضافر الجهود والتعاون بين مختلف الدول لمنع انفجار الحرب ونزع فتيل الاشتباكات. والحل السياسي السلمي للأزمة وفق النقاط الست لمبادرة عنان، هو مطلب جميع السوريين، في الحكومة والمعارضة. ومن أولى واجباتهم تشكيل قوة موحدة وضاغطة لتسريع الحل السلمي الذي يضمن وحدة سوريا، أرضاً وشعباً ومؤسسات. ونصح الموفد الدولي الرئيس السوري بالقيام بخطوات جريئة تطمئن قوى المعارضة وحلفاءها، كسحب الجيش السوري من بعض المناطق، وإطلاق سراح الموقوفين، وتنفيذ النقاط الست لمبادرة عنان.

فرد الأسد بالمضي في الإصلاحات السياسية، وفق معادلة تقوم على التوازن بين الاستقرار والأمن من جهة، والحوار والإصلاح من جهة أخرى، لكن نجاحها يستوجب وقف التدخلات الخارجية لتنفيذ مبادرة عنان. مع تزايد حدة التهديدات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير خارطة الشرق الأوسط بدعم أميركي وأوروبي، دخلت الأزمة السورية مرحلة الخطر الشديد الذي يطال دول المنطقة، خاصة لبنان. وذلك يتطلب الشروع في حوار وطني جدي، على خلفية تنازلات متبادلة من الحكومة السورية والمعارضة.

فاستمرار الصراع الدموي اليومي في سوريا يفضي إلى حرب أهلية بالتزامن مع التقسيم، والفلتان الأمني، والانهيار الاقتصادي. فغياب الدولة المركزية العادلة، يقود بالضرورة إلى حكم الميليشيات القبلية والطائفية، ومنها ميليشيات ممولة من الخارج وتعمل وفق أجندات خارجية.

وسوريا اليوم بحاجة إلى فكر توحيدي في النظرية والممارسة، وإلى قيادات وطنية مؤهلة لبناء دولة ديمقراطية قوية، وقادرة على حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية للشعب السوري. ورغم التطمينات الكثيرة التي تصدر عن جانبي الحكومة والمعارضة حول مناعة المجتمع السوري في مواجهة التقسيم، فإن استمرار الأزمة سيضعف حتما تلك المناعة. وقد رفض السوريون في عهد الانتداب الفرنسي، تقسيم وطنهم إلى دويلات طائفية تمكنت من التوحد في معركة الاستقلال والسيادة الوطنية.