كنت أعاني من الوحدة بعض الشيء، عندما كنت ممثلا لشركة نفط أميركية في قطر خلال فترة الخمسينات من القرن الماضي. كان هناك إنجليزيان برفقتي لمساعدتي، إلا أنهما كانا من أوساط الطبقة العمالية، ولم يكن هناك ما هو مشترك بيننا.
لكن كل بضعة أسابيع، كان روتين الحياة يتقطع عندما يدخل المركب الذي تستخدمه الشركة في عمليات الاستكشاف في مياه الخليج إلى ميناء الدوحة، ويقضي طاقم المركب يومين أو ثلاثة في المنزل الذي كنت أقيم فيه. وكان الطاقم يتكون من أميركيين فقط، وكان يوجد بعض العداء غير المعلن بيني وبين أفراد الطاقم. ويعود سبب ذلك لشعورهم بأن الشخص الذي يحتل الموقع الذي أحتله في الشركة، يجب أن يكون أميركيا وليس بريطانيا.
لكن قطر في ذلك الوقت كانت تنظر إلى الإنجليز باعتبارهم الشعب الذي يمثلها في الخارج، على الرغم من أنها لم تكن مستعمرة بريطانية فعليا، وإنجلترا التي سمحت بأن يعطى للشركة الأميركية امتياز للبحث عن النفط في قاع البحر الذي يحيط بقطر، شددت في المقابل على وجوب أن يكون الممثلون المحليون للشركة من الإنجليز.
أما السبب الرئيسي لأنني لم أكن موضع إعجاب طاقم المركب الذي كان بين الفينة والأخرى يرسو في ميناء الدوحة، فيعود لأمر بسيط جدا، ألا وهو أنني لست أميركيا. لكن الوضع كان يتغير من يوم إلى آخر.
وفي سبيل أن يشغل أفراد الطاقم أنفسهم بشيء ما عندما يتواجدون في الدوحة، طلبوا تزويدهم بمجموعة من ألعاب كرة الطاولة، بما في ذلك المضارب والكرات. وكثيرا ما كنت أنا وزملائي الإنجليز نمتع أنفسنا باستخدام الطاولة ولعب مباراة، عندما يكون طاقم المركب في وسط البحر، لكن ما إن يصل المركب إلى الميناء حتى نمتنع عن ذلك، تاركين استخدام الطاولة حصريا للطاقم الأميركي.
وفي يوم من الأيام، حدث أن أحد الأميركيين سألني بشكل عرضي عما إذا كنت قد لعبت سابقا كرة الطاولة، فأجبته بطريقة عرضية أنني سبق أن قمت بذلك في إحدى المرات، لكني امتنعت عن توضيح أنني كنت في الواقع نوعا من أبطال هذه اللعبة، فاقترح علي قائلا: ما رأيك في أن نلعب مباراة؟
اجتمع كل أفراد الطاقم الأميركي لمشاهدة لاعبهم البطل يقضي على الرجل الإنجليزي الذي كان مسؤولا عن مكتب الدوحة، ولقد أصيبوا بالذهول عندما وجدوا أن الشاب الإنجليزي كان بطلا في كرة الطاولة، وهو الذي يتمثل إنجازه الوحيد، من وجهة نظرهم، في القدرة على التحدث بالعربية، وأنه فاز بالمباراة على بطلهم بسهولة، بخسارة ثلاث نقاط فقط في المباراتين اللتين خاضاهما.
وبعد هذا تحسنت سمعتي بين زملائي الأميركيين كثيرا، حتى أني وجدت بضعا منهم يخاطبني بالتعبير "يا سيدي". ومع ذلك، لم أنزعج كثيرا عندما دعيت فجأة إلى البحرين، وقيل لي إن الشركة قررت أن تتخلى عن الامتياز في قطر، بعد أن أظهرت الاستكشافات في البحر أن هناك فرصة ضئيلة لوجود نفط في المياه حول قطر. لكن طلب مني البقاء في الدوحة لأسابيع عدة إضافية، إلى أن يتم اتخاذ بعض التدابير مع الحاكم لانسحاب الشركة أبكر مما كان منصوصا في العقد بينهما.
ولقد أعطيت مبلغا كبيرا من المال تعويضا عن تقليص مدة عقدي عما كان منصوصا عليه في العقد، وبعدها اتخذت قرار الذهاب إلى إسبانيا ورؤية بعض عروض مصارعة الثيران، ذلك أنه خلال إقامتي في قطر قرأت كتاب همنغواي عن مصارعة الثيران "الموت بعد الظهيرة"، وكنت فضوليا لرؤية كيف تكون هذه المبارزات في الواقع الفعلي.
وبعد خبرتي في العيش لعدة أشهر في إشبيلية، قررت أن أشتري منزلا في إسبانيا. وإمكانية القيام بذلك منحت لي خلال عودتي من إشبيلية. كنت قد جئت من غرناطة إلى بلدة موتريلو، ومن هناك كنت قد بدأت في رحلة على طول الشاطئ عندما رصدت بالصدفة منزلا للبيع خارج قرية سالوبرينا، وكانت حديقة المنزل تمتد إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط. وسرعان ما كنت على اتصال مع مالك المنزل، ولقد اشتريته بمبلغ مقبول، وصرفت بعض المال في تجميل الحديقة وجلب بعض المفروشات الجديدة للمنزل. وقد أثبت المنزل أنه مكان رائع لقضاء أشهر الشتاء.