يتمثل أعظم إنجاز اقتصادي غير قابل للإنكار حققه اليورو، في تجنيب الاقتصاد الأوروبي التمزق في الأزمة الاقتصادية والمالية التي فجرها انهيار بنك "ليمان براذرز". ونحن نعلم، معتبرين بثلاثينيات القرن الماضي، كيف تميل الحكومات الوطنية إلى الاعتقاد، في أوقات الأزمات الاقتصادية، بأن تخفيض قيمة العملة والنزعة الحمائية يخدمان مصالح ناخبيها، ومدى الدمار الذي يحل بجميع المعنيين عندما تستسلم الحكومات الوطنية لهذا الميل. وقد شكلت العملة الأوروبية الموحدة، وستظل تشكل، حصناً قوياً ضد أي من مثل هذه الميول. وأولئك الذين يعتبرون اليورو قيداً يستحسن للحكومات الوطنية أن تحرر نفسها منه في أقرب وقت ممكن، هم، في الجوهر، يدعون أن التلاعب بالعملة والقومية الاقتصادية، يمثلان الطريق الملكي إلى الازدهار، وأنا لا أصدق ذلك للحظة. والمفارقة هي أن أشد منتقدي اليورو لا يصدقون ذلك عندما يتحدثون عن أي موضوع آخر عدا العملة الأوروبية الموحدة.

ولكن مزايا اليورو الاقتصادية لا تتمثل ببساطة في درء الضرر المحتمل؛ فانخفاض معدل التضخم، وتجنب مخاطر الصرف، وتكثيف التجارة داخل منطقة اليورو، وتعزيز تكامل الأسواق المالية الأوروبية، كل ذلك ساهم في ثقافة الاستقرار النقدي وإمكانية التنبؤ الاقتصادي التي جلبها اليورو لأوروبا. وقد استفادت الاقتصادات الأوروبية حسنة الإدارة، لاسيما في ألمانيا، من هذا الاستقرار لتحسين أدائها الاقتصادي، مستجيبة بشكل مناسب للحوافز والمجالات التي يتيحها نظام منطقة اليورو.

غير أن الدول الأعضاء الأخرى في منطقة اليورو، لم تحرز النجاح الذي أحرزته ألمانيا في استجابتها لتحديات نظام اليورو. ويتم الآن على نطاق أوسع، الإقرار بأن زيادة الديون من أجل تمويل نفقات تشغيل حكومة غير منتجة، تشكل طريقا مسدودا يقوض النمو المستدام. ولكن من الصعب جدا أن نعتقد أن تلك الدول كانت ستحقق نتائج أفضل خارج منطقة اليورو.

عندما تم استحداث اليورو عام 1999، سعت الحكومات الوطنية للاحتفاظ لنفسها بأكبر قدر ممكن من الاستقلال الوطني في عملية صنع القرار الاقتصادي. ولو نظرنا إلى الوراء، فإننا سنرى أن ذلك النهج لم يكن كافياً. وقد خصص جزء كبير من الشهور الثمانية عشر الماضية، لإصلاح الثغرات في البنية الأصلية لحكم اليورو. ورغم أن هذه العملية لم تكتمل بعد، فإن تغييرات ملحوظة في النهج من جانب جميع الدول الأعضاء في منطقة اليورو، باتت بالفعل واضحة للجميع. ويتعين علينا الآن أن نتطلع إلى النمو، وإلى كيفية إعادة بنائه على أساس مستدام، لاسيما في دول الهامش الأوروبي.

وفي حين أن الاتفاق المالي يعد جزءا ضروريا من المستقبل، فإن العملية تحتاج إلى قطع شوط أطول لضمان مستقبل اليورو. وفي أذهان بعض المراقبين الخارجيين الصادقين، لاتزال هناك علامة استفهام حقيقية حول المستقبل البعيد لمنطقة اليورو. ولكن من المؤكد أن طرح علامة استفهام ما، لا يشبه إعطاء إجابة.

 وفي نهاية المطاف، فإن أياً من نبوءات الدمار التي تم إطلاقها مرارا في الماضي، لم يتحقق حتى الآن. وفي الحقيقة، فإن التقدم الذي أحرزناه، رغم تعثره، جعلنا ندرك بصورة متزايدة أنه يتعين علينا أن نتحد أكثر، لا أقل، إذا كنا نريد لأوروبا أن تزدهر في المستقبل. وهذا يعني أنه ينبغي لنا أن نجمع بين التحليل الاقتصادي، والدعوة السياسية إلى اتحاد حقيقي بين شعوب أوروبا. وهذا من شأنه أن ينطوي على درجة من التماسك بين دول منطقة اليورو تعكس اتحاداً سياسياً، لا زواج مصلحة مؤقتا.

وحتى الآن، لم تقتنع الأسواق العالمية بالأشواط التي ستمضي الدول الأساسية في منطقة اليورو إلى قطعها في سبيل الحفاظ على هذه العملة، مدركة أن تحقيق هذه الغاية لن يتطلب الانضباط في دول الهامش فحسب، ولكنه سيتطلب النمو كذلك. لذا فإنه لا يزال يتعين القيام بالكثير في المجالين السياسي والاقتصادي، المتداخلين بطبيعة الحال.

وعلى الجبهة السياسية، قد يكون ذلك صعبا في وقت يبدو فيه الاهتمام مركزا، لأسباب مفهومة، على أزمة الديون واليورو. وإضافة إلى ذلك، فإنه يتوقع لمصير ما يسمى بالمعاهدة الدستورية، ولعملية المعاناة التي سبقت التصديق على معاهدة لشبونة، أن يفقدا الحكومات الوطنية شهيتها للتفكير في أي إصلاح كبير آخر.

ولكن هل من المؤكد أن الإصلاح ضروري لمعالجة الحقيقة المتمثلة في العجز الديمقراطي؟ الحقيقة الواضحة هي أن البرلمان الأوروبي، رغم أهمية جهوده، لم يقدم القدر الكافي من الشرعية. والمطلوب هو تغييران إضافيان؛ أولهما إجراء انتخابات ديمقراطية لاختيار رئيس للمفوضية الأوروبية، إلى جانب اتخاذ خطوات إضافية لمنحه شرعية تعيين مفوضيه. ويتعين عليه، أثناء اختياره لكل من المفوضين، أن يأخذ بعين الاعتبار التوازن السياسي المطلوب في الكلية، ولعكس الرأي العام في الدول الأعضاء بصورة فردية على حد سواء.

والتغيير الثاني اللازم لمعالجة العجز الديمقراطي، يتمثل في التعزيز الأكبر من جانب البرلمانات الوطنية، لمشاركتها في مناقشات ممثليها في مجلس الوزراء حول مقترحات للتشريعات الموضوعة من قبل المفوضية. وهذا أمر ضروري لتحسين نوعية تلك التشريعات، وتوعية الناخبين بالعواقب الكاملة لمثل هذه المقترحات التشريعية. وينبغي للتلاعب التكنوقراطي الذي يجري حالياً وراء الكواليس بين المفوضية والدول الأعضاء، أن يفسح المجال لإشراك وطني أكبر ولاختبار الشفافية العامة المفتوحة.