يبدو أننا قد انتقلنا من هامش الحرية الذي كان الحديث يدور حوله قبل سنوات، إلى سقفها الذي أصبح اليوم مرتفعا بفضل وسائل الإعلام الاجتماعي الجديد، ولكن هل يمكن أن يكون سقف الحرية الذي نتحدث عنه هو شتم الحكومة وأجهزة الأمن، كما استشهد أحد المتداخلين أثناء المؤتمر السنوي الثاني لندوة الثقافة والعلوم في دبي، الذي نظمته الندوة تحت عنوان "الإعلام الاجتماعي الجديد في الإمارات"؟

أم أن هذا المفهوم للسقف خاطئ وبحاجة إلى تحديد؟ أم أن التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي الجديد كله بحاجة إلى مراجعة؟

هذه الأسئلة وغيرها كانت مطروحة في المؤتمر الذي ناقش مضمون الإعلام الاجتماعي الجديد وتحدياته وآفاقه المستقبلية، وأعطى البعد القانوني فيه جانبا مهما، ربما يكون هو الذي جر إلى تلك المداخلة، وأثار الكثير من الأسئلة التي طرحت وما زالت مطروحة، مثلما هو الحال مع كل منتج جديد يدخل حياتنا، ولا نعتقد أن ثمة منتجا تكنولوجيا جديدا ذا جوانب سلوكية وأخلاقية أحدث في حياتنا ما أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة، وعلى رأسها "تويتر" و"فيس بوك".

في الورقة التي قدمتها عن مضمون الإعلام الاجتماعي الجديد في الإمارات، تساءلت الدكتورة أمينة الظاهري، أستاذة الإعلام في جامعة الإمارات، عما إذا كان الإعلام الاجتماعي الجديد إعلاما قديما بوسائل جديدة.

وهو تساؤل يدعونا إلى المقارنة بين الإعلام القديم والإعلام الجديد، ليس من حيث الوسائل وإنما من حيث المضامين.

وهي مقارنة تصب نتائجها، من وجهة نظر بعض الراصدين لأداء كل منهما، في صالح الإعلام القديم الذي مهما حصل فيه من تجاوزات فإنها لا يمكن أن تصل إلى حجم الانفلات الذي تشهده ساحة الإعلام الجديد.

انفلات تجاوز حدود التطاول على الأفراد وأجهزة الأمن والحكومات، إلى التطاول على الذات الإلهية والأنبياء والرسل، وكل ما جاءت به الديانات السماوية وتعارفت عليه الأمم عبر مراحل التاريخ المختلفة، مطلقة عليه مصطلح القيم الأخلاقية.

هذا لا يعني بالطبع أن ثمة مغردين على "تويتر" وكُتّاباً على جدران حساباتهم في "فيس بوك" يثرون متابعيهم بآرائهم القيمة، وتضيف مساهماتهم واختياراتهم الكثير من المعارف، لكن هذا كله يضيع ويتلاشى وسط الضجيج الذي يحدثه الفارغون على هذه المواقع، لأن الأواني الفارغة أكثر ضجيجا من الأواني المملوءة، وهذا الضجيج يسبب لنا نحن المتابعين صداعا أكثر مما يؤذي أولئك الذين يحدثون الضجيج،.

ويتخفى بعضهم خلف أسماء مستعارة في هذا العالم الافتراضي الذي يسهل على أجهزة الأمن تتبع المغردين فيه والكاتبين على جدرانه، بينما نتلقى نحن هذه الصفعات التي تؤلم أرواحنا وتقلقنا دون أن نستطيع تحريك ساكن، إذ ليس أمامنا سوى خيار الابتعاد عن هذا العالم ومغادرته، إذا لم نستطع الابتعاد عن هذا الضجيج الذي يلاحقنا ويفرض نفسه علينا.

في يوم انعقاد مؤتمر ندوة الثقافة والعلوم في دبي، اتهمت النيابة العامة في أبوظبي أربعة أشخاص بالتحريض وإثارة النعرات القبلية والسب والقذف عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، وأمرت بحبس المتهمين الأربعة، وهم ثلاثة رجال وامرأة، سبعة أيام على ذمة التحقيق.

وكانت القضية قد بدأت بحوار ساخن عبر الموقع بين المتهمين الأربعة، وعندما ارتفعت سخونة الحوار تحول إلى تبادل للشتائم واتهامات وإثارة للنعرات القبلية، الأمر الذي دفع أحد أبناء القبائل التي تعرضت للسب والقذف إلى التقدم بشكوى للنيابة العامة في أبوظبي، وقد أمرت النيابة بإحضار المتهمين الأربعة والشروع في التحقيق معهم.

هذه الحادثة، وحوادث أخرى بدأت تتوالى علينا، تضع المغردين وكتاب الجدران أمام حقيقة عدم تفريق القانون بين العالم الواقعي والعالم الافتراضي، وهو ما أكده مصدر مسؤول في مكتب النائب العام لإمارة أبوظبي، محذرا من استخفاف البعض بعواقب ممارساتهم الخاطئة في مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر الانترنت عموما.

وهذه حقيقة لها أكثر من وجه أو جانب، إذا أصر البعض على أن للحقيقة وجها واحدا فقط. أول هذه الجوانب أن أغلب مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، يعتقدون أن العالم الافتراضي الذي يتواصلون من خلاله لا يخضع لقوانين الواقع الذي يعيشون فيه.

وثاني هذه الجوانب أن سهولة استخدام هذه الوسائل، تغري الكثير من مستخدميها بالذهاب إلى أبعد مدى في التعبير عن آرائهم، إلى الدرجة التي تؤدي إلى تجاوز مفهوم الحرية الفردية والاعتداء على حريات الآخرين والإساءة لهم واتهامهم بتهم يعاقب عليها القانون، ما لم يقدموا الدليل عليها.

وثالث هذه الجوانب هو انعكاس هذا الانفلات على المجتمع بما يثيره من نعرات طائفية وعرقية، وإقصاء للآخرين، وانحدار بثقافة الحوار إلى مستويات لا يقبلها عقل ولا منطق، ولا طبيعة مجتمعنا القائم على الوئام والتفاهم بين فئاته المختلفة.

وهذه كلها عوامل تؤدي إلى الصراع، وتعمل على هدم القيم وتفكيك الروابط الاجتماعية التي توثقت على مدى عقود من الزمن.

صحيح أن "للبيت ربا يحميه" عندما يتعلق الأمر بالتطاول على الذات الإلهية والأنبياء والرسل والديانات السماوية، رغم أننا مطالبون بالتصدي لمن يفعل ذلك، وصحيح أن أجهزة الأمن والحكومات قادرة على ملاحقة من يتطاول عليها والوصول إليه ومعاقبته، ولكن من يحمينا نحن من هذا الإسفاف الذي ينحدر إليه البعض في حواراتهم؟

ومن يحمي المجتمع من الآثار السلبية لهذه الوسائل بعد أن تحول "تويتر" لدينا نحن العرب إلى "توَتُّر"؟ فحتى لو قام القانون بدوره، إلا أن العقوبة تأتي بعد ارتكاب الجريمة، أي بعد أن نكون نحن قد تعرضنا لآثارها، وأصبح ضجيج الأواني الفارغة صداعا مزمنا لا شفاء منه.