لمتتبع للأوضاع العربية في الآونة الأخيرة، يحس ويشعر أنها تسير في متاهات عديدة، ربما لها أول. كما يبدو ولكن النهاية غير معروفة، حتى لأكثر المحللين خبرة، فلا هو الربيع العربي ولا شتاؤه ولا خريفه وربما حتى هو صيفه ذو الحرارة العالية، فقد نزلت للاسواق كافة أنواع البلح (الرطب) ونزلت الاسعار لمستواها العادي .
إلا أن المؤكد أن عدم الاستقرار في العديد من الدول العربية يجعل الناس يترحمون على ما قبل ذلك، لقد عمت الفوضى والاضطرابات والصراعات سواء ذات الطابع الطبقي أو الفئوي وحتى المناطقي. . وانتعش تجار الأسلحة بكافة أنواعها، وفتحت دكاكينها لتعرض أدوات القتل الفردي.
. هل كتب على الشرق الأوسط أن تظل السمة السائدة هي عدم الاستقرار والصراع سواءً الداخلي أو الخارجي وفقدان الأمن والأمان؟
بات واضحاً أن معاهدات السلام والاستسلام لم توفر ما هو مطلوب، للخروج من بؤرة البؤس والتخلف والتبعية وأن هنالك ظلاما دامسا قادما نحوها بهدوء شديد، وقد يقول البعض ان الحرب الباردة مازالت قائمة على هذه البقعة من العالم!
أما آن الأوان للأحزاب السياسية على مختلف توجهاتها وأيديولوجياتها أن ترفع الراية البيضاء، أو ربما السوداء، .لقد يئس الإنسان العربي منها بعدما أظهرت نواياها الحقيقية والمتمثلة في حلمها في السيطرة على الهرم السياسي، دون تحقيق أحلام من ساندها في العديد من مراحل الصراع. مقولة "الثورة تأكل أبناءها" تتكرر وهي شائعة في معظم المجتمعات
. والعالم الثالث والثاني لديه من الذكريات الأليمة في هذا الجانب بحجة اكتشاف مؤامرة خارجية ضد الوطن والمواطنين إلا أنها في الحقيقة حرب تصفيات جسدية بين القيادات الحزبية وغيرها.مئات من الأطفال قد قتلوا وازدادت أعداد الأرامل واليتامى ومازال الإنسان يبحث عن كسرة خبز ورشفة من الماء حتى يظل حياً. ومن الجوانب الإيجابية لتطور الإعلام المرئي، ما يشاهد هذه الأيام من صور يشيب لها الولدان، .
وقد يصاب بعض المشاهدين بأزمات قلبية من شدة وعنف ما يشاهده ولعل المقابر الجماعية دليل على القسوة والعنف وازدياد عدد المصابين بمرض المازوخية، وهو حب تعذيب الآخر، لقد تطورت تلك الوسائل فلم يعد الخازوق سوى أداة قديمة.
كم هو مؤلم هذا الواقع، حينما يشعر الإنسان بأنه بلا وطن يحميه، ولا قوة تحول دون اضطهاده أو قهره، آلا ليت لم تقم تلك الانقلابات العسكرية ولا التحولات تحت العديد من الشعارات البراقة.فلا نال الإنسان الحرية ولا الاشتراكية ولا الوحدة، بل ازدادت الأغلال في يديه وقدميه وعنقه، ولم يرَ إلا الاشتراك في الفقر والبؤس والجهل.
إن رهانات النخبة الجديدة تلاشت تحت وقع أقدام الواقع المرير، وبرزت من جديد أحلام الهجرة من الأوطان إلى العالم المجهول بحثاً عن أمل جديد، فها هو الإنسان في العراق وسوريا ومصر والجزائر والسودان.وفي بعض دول الخليج العربي يبحث عن المنقذ، سواءً من الغرب الأميركي أو من الشرق نحو العالم الجديد في استراليا ونيوزلندا وغيرها من المناطق.
أكدت العديد من الدراسات والأبحاث ان القفز من حالة إلى أخرى غير مضمون النتائج، بل قد يكون كارثيا على الإنسان، لقد تطورت المجتمعات الأخرى تدريجياً وعلى مدى عقود طويلة .وقدم فيها الإنسان التضحيات من أجل التقدم، فكم من إنسان فقد حياته في ظل كهنوت المعابد وبطش الإقطاع وسيوف الطغاة في العالم، حين ذاك.
وهذا لا يعني أن الإنسان العربي لم يقدم على تلك التضحية، بل ان هنالك العديد ممن ضحوا بحياتهم إيماناً منهم بالعقائد والإيديولوجيات التي يؤمنون بها، وهؤلاء ليسوا من القيادات بل من الأفراد العاديين جداً.إن الحل الأمثل في هذه الظروف، هو تداول السلطة، وأيضاً اعطاء كل منها واجباتها وحقوقها، وخلق دولة المؤسسات لا الأفراد، ولدينا مثال في السودان سوار الذهب
. الذي كان نموذجاً للقيادة، لقد استطاع أن يؤكد على أن هناك العديد ممن يستطيع القيادة في المراحل المختلفة لتطور وتغيير المجتمع.هل تفكر بعض الأنظمة المستبدة في استخدام جزء من المال العام لتطوير التعليم وتوفير السكن والصحة للإنسان مما يساعد في بقائها في السلطة .
وترضي شعوبها التي ترفع يديها نحو السماء طالبة الخلاص من الظلم، ألا يعلم أولئك أن دعوة المظلوم مستجابة من رب العباد. وان ازدياد المظلومين والمقهورين سيؤدي إلى انفجار البركان الثائر. الا نحلم بغدٍ جميل لأبنائنا وأحفادنا بدون المزيد من اليأس والبؤس؟
إن دروس التاريخ، سواءً الحديث أو القديم تؤكد تحقيق الحلم، فلنتذكر سبارتاكوس وثورة الزنج وصرخة تلك المرأة المظلومة، إن الليل شديد الظلام يعقبه فجر ساطع مع بروز وطلوع الشمس من جديد.